كان حدثاً مميزاً بكل المقاييس، فقد تجلت فيه الإنسانية والتسامح والحب، وتمثلت جميعها في العلاقة الجميلة بين العروسين، وفي حضور مراسم زواج غير مسبوقة، ولا مثيل لها، بأريحيتها وقبول المجتمع لها، وحتى الأسرة والمؤسسة الدينية، وإن ببعض التحفظ، لا يمكن تخيّل حدوثها بكل تلك الانسيابية في أي مكان بخلاف لبنان، الدولة الوحيدة التي يتمنى الكثير من الكويتيين أن يكون التآخي معها للأبد.
بدأت الاحتفالات أولاً بالطريقة الإسلامية، وكانت رصينة وهادئة، قادها رجل دين، ألقى موعظة جادة وطريفة، لاقت استحسان الجميع، وجرى كل شيء من دون بهرجة ولا طقوس مطولة، وعُقد قران الحبيبين من دون تكلف، ثم توجهنا في اليوم التالي إلى الكنيسة السريانية المارونية، لحضور مراسم الزواج الكنسي، التي كانت معقدة ومطولة نوعاً ما، مقارنة بمراسم «كتب الكتاب»، لكنها كانت أكثر تلوناً وبهجة وحضوراً، تخللتها أصوات جميلة، وصلوات وموسيقى وتراتيل، ارتدت السيدات والآنسات خلالها أبهى الثياب، وكان الرجال في قمة «الشياكة اللبنانية»، وتم كل ذلك في جو مليء بالمحبة والتسامح، وخالٍ من كل العواطف السلبية.
وبعدها ببضعة أيام انتقلنا، برفقة العروسين وأهاليهما وأقربائهما وأصدقائهما، إلى منتجع «مارماريس» التركي، حيث قضينا أياماً لا تنسى، ستبقى في ذاكرة العمر مطولاً، كانت بدايتها قيام الفنان والمطرب جاد شويري بترسيم الحبيبين، هيثم ومارغريتا، مدنياً «زوجين للأبد»، وتم ذلك وقت الغسق، وربما كان الغسق الأجمل في حياة كل من حضر تلك المناسبة الجميلة.
قامت «ليتيسيا»، صاحبة ابتسامة الموناليزا، التي تكرّر غيابها وظهورها على وجهها المشرق، بدور «الإشبينة»، كونها ابنة خالة العروس وصديقة عمرها وابنة «ضيعتها»، وقام «أحمد»، شقيق العريس، بدور «الإشبين».
لكن ما أصل كلمة إشبين لغوياً؟ وماذا تعني؟
كلمتا إشبين وإشبينة أصلهما سرياني، وتحديداً من لفظة «شُوشْبينَا»، وتُعني الوصي، أو الحارس، أو الكفيل، أو الوكيل المكلّف بمسؤولية محددة. وفي الغرب يعرف الإشبين بـ The Best man، وللفتاة The Best Woman، وأصل التسمية اسكتلندي. أما في العربية فيعرفان بالوصيف والوصيفة، بالرغم من أن للكلمة نفسها معاني أخرى، ويعتبر اختيارهما ودورهما من أبرز تقاليد الزفاف الكنسي، وغالباً ما تُشكّل هذه المجموعات من الأصدقاء المقربين وأفراد العائلة جزءاً أساسياً من احتفالات الزواج، حيث يُساعدان في التخطيط للفعاليات، وتقديم الدعم المعنوي، والوقوف إلى جانب العروسين في يوم زفافهما.
وقديماً، كان رفقاء العريس محاربين يحمونه من الأقارب الرافضين، وكان دور وصيفات العروس طرد الأرواح الشريرة. وبالرغم من أن البعض يعتبرها أساطير، فإن أصول هذه الأدوار في الواقع عملية أكثر منها خيالية، حيث تعود فكرة مشاركة أشخاص موثوق بهم في مراسم الزواج إلى آلاف السنين.
في العديد من المجتمعات القديمة، لم يكن الزواج مجرد علاقة بين شخصين، بل كان أيضاً اتفاقاً قانونياً ودينياً واجتماعياً يشمل العائلات والمجتمعات، لأن حفلات الزفاف كانت تمثل روابط اجتماعية مهمة، كان الآخرون غالباً ما يشهدون ويساعدون ويشاركون فيها.
كان أول ظهور لمصطلح «وصيفة العروس» في الإنكليزية في القرن الـ16، وظهر مصطلح «وصيف العريس» بعدها بقرن. وتفاوتت مسؤولياتهما تبعاً للفترة الزمنية والثقافة والوضع الاجتماعي.
* * *
المهم أننا قضينا جميعاً أياماً لا تُنسى في عرس فريد، زاخر بالذكريات الجميلة، ومفعم بالمحبة والألفة والسعادة. وكانت بيروت و«مارماريس» فضاءً رحباً لذلك الحدث وللقاء المحبة والتسامح بين الجميع.. شكري لأهالي مارماريس، ومحبتي لـ«مار شربل».
أحمد الصراف

