في مايو 2026 كان أكثر من 70٪ من عينة مستخدمي وكيل البرمجة (Codex) من (OpenAI) قد كلفوه مرة واحدة على الأقل، بمهمة قُدّر أنها تتطلب أكثر من ساعة من العمل البشري. الرقم مهم، لكن دلالته أهم. الذكاء الاصطناعي الذي عرفه معظم المستخدمين بوصفه أداة تجيب عن الأسئلة، بدأ ينتقل إلى مساحة أكثر تقدماً وهي تنفيذ العمل. وبعد سنوات انشغل فيها العالم بإتقان هندسة الأوامر، تتشكل مرحلة جديدة ينتقل فيها الذكاء الاصطناعي من الاستجابة لأمر محدد إلى العمل لتحقيق هدف ضمن صلاحيات يمنحها له الإنسان.
الوكيل في أبسط صوره نظام ذكي يستطيع التخطيط لمهمة، واستخدام الأدوات والبيانات المتاحة له، وتنفيذ سلسلة من الخطوات ومراجعة نتائجها. ويتعدد الوكلاء بحسب وظائفهم. فهناك وكلاء للبحث وجمع المعلومات، وآخرون للتنفيذ والتعامل مع الأنظمة وتحديث السجلات، ووكلاء للبرمجة يستطيعون قراءة الشفرة وتعديلها واختبارها، إضافة إلى وكلاء لخدمة العملاء وتحليل البيانات وإعداد التقارير ومتابعة العمليات. ولا يمثل ذلك تصنيفاً نهائياً، فالحدود بين هذه الوظائف تتداخل، وقد يجمع الوكيل الواحد عدداً منها.
أما التطور الأكثر أهمية فيتمثل في الأنظمة متعددة الوكلاء. بدلاً من تكليف نظام واحد بمهمة معقدة، يمكن لوكيل رئيسي تفكيك الهدف وتوزيع العمل على وكلاء متخصصين، ثم تنسيق النتائج ومراجعتها. هذا التصميم لا يضمن تقليل الأخطاء، لكنه يسمح بالتخصص وتقسيم العمل وإضافة مسار للمراجعة تساهم في رفع جودة النتائج في المهام التي تستفيد من هذا النوع من التنظيم.
هذا التحول يفسر جانباً من سباق الشركات التقنية الكبرى نحو تطوير الوكلاء. فالمنافسة لم تعد محصورة في بناء النموذج الذي يكتب أو يستدل بصورة أفضل. الرهان يمتد إلى النظام القادر على تحويل الذكاء إلى فعل. ومن ينجح في بناء وكيل موثوق يستطيع التعامل مع مختلف المهام والأعمال بشكل سلس ويضاعف الانجاز.
وقد يقود ذلك إلى مرحلة أبعد، يعمل فيها الوكلاء مع وكلاء آخرين. وكيل داخل المنظمة يتعامل مع وكيل لمورد، ووكيل للمستخدم يتواصل مع أنظمة مقدمي الخدمات، ومجموعة من الوكلاء تتقاسم مهمة واحدة بالتزامن أو التتابع. عندها سيكون الأثر ممتداً إلى الطريقة التي تتحرك بها المعلومات والخدمات والمعاملات داخل الاقتصاد الرقمي وهذا تطور ضخم لا أستبعد حدوثه.
الخلاصة: مع اتساع حضور الوكلاء، ستتغير طبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة.. ستتولى الأنظمة مساحة أكبر من البحث والتخطيط والتنفيذ، بينما تزداد أهمية القدرات البشرية المرتبطة بفهم السياق، وتحديد الغاية، وترتيب الأولويات، والحكم على النتائج وتحمل المسؤولية. أمضى العالم السنوات الماضية يتعلم كيف يصوغ أوامره للذكاء الاصطناعي.. أما المرحلة المقبلة فستضع أمامه تحدياً أكثر عمقاً.. أن يتعلم ما الذي يمكن تفويضه للآلة، ومقدار الاستقلال الذي يمنحه لها، وما الذي يجب أن يبقى في يد الإنسان؟

