في موروث عريق مثل الصقارة، هناك فارق كبير بين أن نحفظ الموروث في المتحف، وأن نبقيه حيًا في الحياة. فالحفظ يصون الشاهد، أما الاستمرار فيصون المعرفة التي صنعت ذلك الشاهد. وحين تتوقف المعرفة عند جيلٍ معين، قد تبقى الأدوات والصور والقصص، لكن شيئًا أساسيًا من الموروث نفسه يكون قد غاب.
الصقار لا يتعلم علاقته بالصقر من كتاب وحده، فهناك معرفة تتشكل بالمشاهدة والممارسة، تبدأ من فهم طباع الصقر والعناية به، وتمتد إلى التدريب والصيد ومعرفة المواسم والبيئة والمصطلحات والأدوات. وفي هذه التفاصيل تنتقل خبرة تراكمت عبر أجيال، ولذلك فإن المحافظة على الصقارة تعني، في جوهرها، المحافظة على سلسلة انتقال هذه المعرفة، بحيث يجد كل جيل من يروي له الحكاية، ثم يمنحه فرصة أن يعيشها بنفسه.
من هنا تتجاوز قيمة معرض الصقور والصيد السعودي الدولي مجرد عرض الصقور والمنتجات المرتبطة بها، فهو يضع الموروث في مساحة مفتوحة للمشاهدة والتجربة والتعلم والتفاعل، ويقرّب عالم الصقارة من جمهور قد يلتقي به للمرة الأولى، كما يمنح المهتمين والممارسين فرصة أوسع للتعمق في تفاصيله. وبين الطرفين تتشكل مساحة مهمة لاستمرار المعرفة واتساع دائرتها.
وفي هذا السياق، يبرز المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية؟ لا، بل المركز الوطني للصقور بوصفه شاهدًا على أحد أهم الموروثات في المملكة، ومساهمًا في استمراره عبر الفعاليات والبرامج والمزادات والمنافسات المرتبطة بالصقارة على مدار العام. وهذه الجهود تمنح الموروث مساحة حية للممارسة والتعريف، وتقرّبه من الأجيال القادمة.
والأهم أن الصقارة لا ينبغي أن تخاطب الصقارين وحدهم؛ فاستدامة الموروث تحتاج إلى مجتمع يعرفه ويفهم قيمته، حتى إن لم يمارسه. وعندما يقترب الشاب من الصقر، ويتعرف على أدواته، ويسمع مفردات الصقارين، ويرى طرق تدريبه، فإن المعرفة تنتقل إليه بطريقة مختلفة. وقد لا يصبح صقاراً ، لكنه لن يعود يرى الصقارة بوصفها صورة بعيدة من الماضي، بل تجربة يفهم جانبًا من قيمتها ومكانتها.
وهنا يصبح التطوير جزءًا من المحافظة؛ فلا تعارض بين أصالة الموروث واستخدام الوسائل الحديثة في تقديمه، ما دامت تحافظ على جوهره ولا تفصله عن حقيقته. فالتحدي ليس أن نغيّر الموروث، بل أن نطور طريقة الوصول إليه، وأن نجعل الأجيال الجديدة قادرة على الاقتراب منه وفهمه وتجربته.
لذلك، ربما لا يكون السؤال: كيف نحفظ الصقارة للأجيال القادمة؟ بل: كيف نجعل الأجيال القادمة جزءًا من استمرارها؟ فالفرق كبير؛ الأول يتعامل مع الموروث باعتباره شيئًا نسلمه لهم، أما الثاني فيراهم الحلقة التالية في قصته.. وحين يصبح الموروث تجربة تعاش لا ذكرى تحفظ، فإنه لا يبقى خارج المتحف فحسب، بل يبقى حياً في الناس.

