: آخر تحديث

مجرد اختلاف ثقافات

2
3
2

ليلى أمين السيف

الذكي ليس دائما من يملك أكثر بل قد يكون أحيانا الشخص الذي اكتشف قبل غيره ماذا يفعل بما حباه الله من نعم.

والمفارقة أن كثيرا مما نبحث عنه طوال حياتنا يكون موجودا حولنا بالفعل لكننا نحصي نعم الآخرين وننسى أن ننظر في رصيدنا فننتظر الفرصة الكبيرة ولا ننتبه إلى الأشياء الصغيرة التي تصنعها. نريد المعرفة جاهزة من غير أن نسعى إليها وبيننا من دفع سنوات من عمره ثمنا لخبرة لا يفصلنا عن خلاصتها سوى أن نسأل فالعلم كما علمني أبي يُؤتى ولا يأتي.

نبحث عن حلول بعيدة بينما قد يكون شخص آخر قد خاض المشكلة نفسها قبلنا وترك لنا من حيث يدري أو لا يدري خريطة كاملة للنجاة منها.

لكن البعض، ولسبب ما، يحب أن يبدأ الحياة من الصفر حتى تصفعه الحياة وليته يتعلم ويندم بل يكابر ويواصل مشوار الندم ثم يصل بعد عشر سنوات إلى النتيجة نفسها التي كان يمكن أن يسمعها في عشر دقائق.

وربما لأننا اعتدنا أن نقيس النعم بالمادة فنغفل عن أشياء لا توزن بالمال لكنها قد تغير حياتنا إذا فقط أستشعرنا أنها تسكنُنا وتحفّنا من كل جانب.

فالمال القليل لا يبدو ثروة والوقت المتناثر لا يبدو عمرا والصحة ما دمنا لا نتوجع لا تبدو نعمة ومن يحبنا ما دام معنا لا ندرك كم نحن أغنياء به. ومن خبر الحياة أكثر منا قد يبدو مجرد شخص كثير الكلام حتى نفقده ونكتشف أننا أضعنا كنزا كان يجلس إلى جوارنا.

كم من نعمة لم نعرف قيمتها إلا بعد زوالها وكم من فرصة لم نحسن استغلالها ولم نعد العدة لها قد تسربت من بيننا .فالبعض للأسف لا يحسن سوى التسويف ثم يكتشف أن الفرصة لا تنتظر هذا إن أكتشف.

ربما لهذا لا يكون الفرق بين الناس دائما في نصيب كل واحد منهم بل في ما فعله كل واحد بنصيبه. أحدهم يرى ما بين يديه كما هو وآخر يتسائل: ماذا يمكنني أن أصنع بهذا؟

ومن هنا تبدأ الحكاية..

سبعة ريالات قد تكون مجرد كوب قهوة يومي وبالتأكيد لا يستحق كوب قهوة أن نكتب من أجله هذا المقال لكن إذا شربتها كل يوم لمدة سنة فتهانينا: لقد شربت 2555 ريالا. مبلغ قد يراه أحدهم مجرد 365 كوب قهوة في السنة ويراه آخر جزءا كبيرا من الطريق إلى مكة.

لم يكن الثاني أغنى ولم يكن الأول أكثر تبذيرا. كل ما في الأمر أن أحدهما رأى ما تستطيع السبعة ريالات شراءه اليوم بينما رأى الآخر ما يمكن أن تصنعه إذا اجتمعت: رحلة، دورة، مهارة أو بابا لم يكن ليستطيع فتحه دفعة واحدة.

ولكي لا يفهمني أحد خطأ فمن حباه الله بسعة في الرزق فليشرب القهوة والكابتشينو واللاتيه والفرابتشينو والماتشا أيضا وليطلب معها قطعة كيك بل قطعتين إن شاء. فلسنا هنا لتأسيس جمعية لمكافحة الكافيين.

لكن من قُدّر عليه رزقه ويتشكى لطوب الأرض أن راتبه لا يكفي وأن الإيجار يخنقه وأن فاتورة الكهرباء تنتظره ثم يدخل مع طفله والذي عمره في الخامسة إلى مقهى فيطلب قطعة كيك بخمسين وعصيرا وقهوة وشيئا آخر لا يعرف اسمه لكنه بدا جميلا في الصورة ثم تصدمه الفاتورة فاسمح لي..

وقبل أن نفتح الملف المالي لهذا الكائن العجيب لنتحدث قليلا عن إدارة الموارد. والموارد بالمناسبة ليست ما في جيبك فقط؛ أنت نفسك مورد: صحتك وعقلك ووقتك وخبرتك وما تعلمته ومن تعرفهم وما مررت به وحتى أخطاؤك كلها نعم تحفك من رأسك حتى أخمص قدميك. السؤال ليس دائما: ماذا أملك؟ بل: كم مما أملك ما زال معطلا؟

ليس عيبا أن يكون دخلك قليلا. وليس كل فقير مسؤولا عن فقره ولا كل ضائقة مالية سببها كوب قهوة. هناك من يعمل حتى تنكسر عظامه ولا يكفيه راتبه وهناك ظروف تلتهم المال مهما أحسن صاحبه التدبير.

لكن هناك أيضا من لا يريد أن يدير موارده بل يريد أن يعيش رفاهية من يملك أكثر منه ثم يغضب لأن حسابه البنكي لا يتعاون مع طموحاته.

مجرد اختلاف ثقافات

والموارد كما اسلفنا ليست مالا فقط فتلك التي لا تتوقف عن لوم أبنائها لأنهم لا يطورون أنفسهم ولا يقرأون ولا يتعلمون شيئا جديدا ولا يملكون طموحا.

هي لا ترى أنها قصرت في شيء والحقيقة أنها فعلت ما ظنت أنه كل شيء. أطعمتهم واهتمت بدراستهم وظنت أن المهمة انتهت. لم تعلمهم مهارة ولم تساعدهم على اكتشاف ما يجيدون ولم تهيئهم للحياة التي ستنتظرهم خارج البيت.

بل ماذا طورت هي في نفسها؟ لا شيء. كل مهاراتها في السنوات الأخيرة أنها أصبحت تعرف ماذا قالت فلانة ولماذا لم ترد علانة على السلام وقدرة تحليلية خارقة حين يتعلق الأمر بحياة الجميع باستثناء حياتها مع إلمام ممتاز بآخر المسلسلات.

مجرد اختلاف ثقافات

وذلك الذي يعيش مع أولاده تحت سقف واحد وبينهم من المسافات ما يحتاج إلى جواز سفر ولا يعرف لماذا لا يتحدث معهم إلا إذا أخطأوا ولا يسأل إلا عن الدرجات ولا يجلس معهم إلا وجسده في الغرفة وروحه داخل الهاتف ثم يكبر الأولاد ويغلقون أبوابهم فيقف في الخارج مصدوما: ماذا فعلت لهم؟ سؤال ممتاز. ابحث، اقر أو اسأل أبا نجح حيث فشلت. استمع إلى أبنائك قبل أن تبحث عمن يؤكد لك أنهم عاقون.

مجرد اختلاف ثقافات

والزوج الذي يقول إن زوجته لم تعد كما كانت والزوجة التي تقول إن زوجها لا يفهمها. جميل! وماذا فعلتما بهذه المعلومة؟ هل قرأ أحدكما شيئا عن العلاقات؟

هل سألتما من عاش ثلاثين سنة ونجح لا من تزوج ثلاث مرات وأصبح خبيرا؟

هل حاول أحدكما أن يفهم كيف يحب الآخر وماذا يؤذيه ولماذا يتكرر الشجار نفسه منذ سبع سنوات بالحوار نفسه والنهاية نفسها؟ أم أن الخطة هي أن يستمر كل واحد في فعل الشيء نفسه بالطريقة نفسها ثم ينتظر من الطرف الآخر نتيجة جديدة؟

نحن نتعلم كيف نشغّل هاتفا جديدا إذا استعصى علينا. نشاهد شرحا. نسأل. نجرب ونقرأ التعليمات لكننا قد نقضي عشرين سنة مع إنسان ولا يخطر لنا أن نتعلم كيف نتعامل معه ثم نقول: النصيب.

مجرد اختلاف ثقافات

ساعة فراغ قد تكون عند أحدهم مجرد ساعة وقد تكون عند آخر أول خطوة في مشروع يغير حياته. والهاتف قد يكون جهازا ممتازا لمراقبة ماذا أكل الغرباء وأين سافروا ومن انفصل عن من وقد يكون جامعة كاملة يحملها الإنسان في جيبه.

حتى المرض ذلك الضيف الثقيل الذي لا يملك أحد حق تجميله لا يتعامل معه الجميع بالطريقة نفسها. هناك من يكتفي بما قيل له وهناك من يقرأ ويسأل ويبحث عن أحدث علاج ويتتبع من عاش التجربة قبله ويعرف كيف هزموا جزءا منها وكيف تعايشوا مع الجزء الذي لم يستطيعوا هزيمته. المرض نفسه وكلاهما يعاني؛ لكن أحدهما وقف عند معاناته راضيا كان أو متسخطا والآخر يبحث كيف يخفف أضراره ويتفادى ما يستطيع من مضاعفاته ويعيش أفضل ما يمكن بما بقي له.

مجرد اختلاف ثقافات

والصديق الذي يخسر كل أصدقائه بالطريقة نفسها ثم يقرر في كل مرة أن المشكلة في الناس. والموظف الذي بقي عشر سنوات في المكان نفسه بالمهارة نفسها ثم يغضب لأن شخصا أحدث منه سبقه. والذي يقول إنه لا يملك وقتا ليتعلم ثم يستطيع أن يشرح لك موسمين كاملين من مسلسل، شخصية شخصية وخيانة خيانة. هؤلاء جميعا لا تنقصهم الأشياء نفسها. ينقصهم ذلك السؤال البسيط الذي لا نسأله بما يكفي:

ماذا أملك الآن وماذا يمكنني أن أصنع به؟

لأن الذكاء ليس أن تحوّل كل دقيقة إلى دورة تدريبية وكل ريال إلى استثمار وكل جلسة عائلية إلى ورشة تطوير ذات. بل أن نتعلم كيف نستمتع بما مُنحنا دون أن نهدره وكيف نفرح بيومنا دون أن نترك الغد خالي اليدين؛ فلا نحرم أنفسنا باسم المستقبل ولا نستهلك كل شيء باسم الاستمتاع بالحياة.

و في النهاية سنشرب جميعنا القهوة وسنشاهد المسلسلات وسنشتري لأطفالنا الكيك الذي يناسب ميزانيتنا وسندفع أحيانا في أشياء سخيفة ونحن نعرف أنها سخيفة لأننا بشر ولسنا جداول إكسل.

فالحياة لا تبدأ معنا جميعا من المكان نفسه ولا توزع المال والصحة والفرص والظروف بالعدل نفسه وهذه حقيقة لا ينكرها عاقل. لكننا مهما اختلفت أنصبتنا نظل مسؤولين عن شيء واحد: ماذا فعلنا بما أنعم الله به علينا؟

فقد لا تملك المال الذي تتمناه لكنك قد تملك بداية شيء ما. وقد لا تأتيك الفرصة التي تنتظرها لكنك تستطيع أن تكون مستعدا حين تأتي. وقد لا تستطيع تغيير كل ما يضايقك لكنك تستطيع أن تتوقف عن تكرار الخطأ نفسه ثم تسمي النتيجة سوء حظ.

وفي النهاية ليست كل الخسارات بسبب ما لم نحصل عليه. بعضها بسبب ما كان لدينا ولم نعرف ماذا نفعل به.

مجرد اختلاف ثقافات

** **

- كاتبة يمنية مقيمة في السويد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد