عبد الله سليمان الطليان
لم تعد السخرية في وقتنا الحاضر مجرد مزاحٍ عابر أو دعابة خفيفة يتبادلها الناس في مجالسهم، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى سلوك اجتماعي مؤذٍ يمارس بصورة يومية عبر الكلمات والإشارات والتعليقات وحتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وبين من يراها نوعًا من خفة الظل، ومن يعدّها شكلًا من أشكال التنمر والاحتقار، تبقى الحقيقة الثابتة أن السخرية الجارحة قد تترك أثرًا نفسيًا عميقًا لا يزول بسهولة.
وتُعرف السخرية بأنها استخدام الكلمات أو التصرفات بقصد الانتقاص من الآخرين أو التقليل من شأنهم، وقد تأخذ صورًا متعددة مثل الهمز واللمز والاستهزاء والتقليد الجارح والتنمر على الشكل أو المستوى الاجتماعي أو طريقة الحديث.
من أكثر أشكال السخرية انتشارًا ما يُعرف بالهمز واللمز، وهما الطعن في الناس بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فقد يسخر البعض من شخص عبر إطلاق لقبٍ محرج عليه، أو من خلال تعليقات تحمل في ظاهرها المزاح وفي باطنها الإهانة.
وتزداد خطورة هذا النوع من السخرية عندما يتحول إلى عادة اجتماعية يمارسها الناس دون إدراك لحجم الأذى الذي تسببه للآخرين، خصوصًا لدى الأطفال والمراهقين الذين يتأثرون نفسيًا بالكلمات الساخرة أكثر مما يظهر عليهم.
ومن أقسى أنواع السخرية تلك التي تستهدف الشكل الخَلقي للإنسان، كالسخرية من الطول أو القصر أو لون البشرة أو الإعاقة أو الملامح الجسدية. وهذا النوع يُعد من أكثر أنواع التنمر إيذاءً، لأنه يستهزئ بأمور لا يملك الإنسان تغييرها. وللأسف فإن بعض المجالس ووسائل التواصل أصبحت بيئة خصبة لهذا النوع من الاستهزاء، حيث تُتداول المقاطع والصور الساخرة بهدف الإضحاك على حساب مشاعر الآخرين وكرامتهم الإنسانية.
وقد قيل قديمًا: «لا تسخر من جرحٍ لا تعرف ألمه». وهي حكمة تختصر كثيرًا من المعاني الإنسانية التي تدعو إلى احترام الناس مهما اختلفت أشكالهم وظروفهم.
بين النقد والسخرية.
ورغم أن السخرية تُستخدم أحيانًا في الأدب والصحافة والنقد الاجتماعي للكشف عن الأخطاء والظواهر السلبية، إلا أن الفرق كبير بين السخرية الهادفة التي تعالج القضايا بأسلوب ذكي، وبين الاستهزاء الذي يهدف إلى الإهانة والتقليل من الآخرين.
فالأدباء العرب استخدموا السخرية أحيانًا لكشف عيوب المجتمع، كما فعل الجاحظ في كتاب «البخلاء»، أو بعض الشعراء الذين لجأوا إلى التهكم في نقد الواقع الاجتماعي والسياسي، لكن ذلك كان في إطار أدبي وفكري، لا بقصد تحطيم الأشخاص أو التنمر عليهم. لا تقف أضرار السخرية عند حدود الفرد، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله، إذ تزرع الكراهية والحقد وتفقد الناس شعورهم بالأمان والقبول الاجتماعي. وقد تؤدي الكلمات الساخرة المتكررة إلى العزلة وضعف الثقة بالنفس وربما إلى اضطرابات نفسية عميقة.
ولذلك فإن المجتمعات الراقية تُقاس بمدى احترام أفرادها لبعضهم البعض، لا بقدرتهم على إطلاق النكات الجارحة أو التعليقات الساخرة.
ختامًا.. قد يضحك البعض من كلمة ساخرة عابرة، لكنه لا يدرك أن تلك الكلمة ربما بقيت عالقة في قلب شخصٍ آخر لسنوات طويلة. فالكلمة قد تكون دواءً يرفع الإنسان، وقد تكون جرحًا يهدمه من الداخل.
ومن هنا تبقى الأخلاق والاحترام وحسن التعامل هي الأساس الحقيقي لأي مجتمع متماسك، لأن الإنسان لا يُقاس بشكله أو مظهره أو ظروفه، بل بقيمته الإنسانية وأخلاقه.

