سهوب بغدادي
هل مر عليك شخص يهيمن على الحديث ويشارك في جميع النقاشات والمواضيع المطروحة ولا يزعم معرفة أغلب الأشياء؟ في غالب الأمر يكون هذا الشخص الأقل معرفة أو علمًا، بينما نجد الحكماء والعقلاء ومن يوازيهم لا ينطقون سوى بكلمات معدودة، وقد قالها سقراط: «تحدث حتى أراك» أي أن مدى وعي الشخص وخلفيته الاجتماعية والثقافية ونحوها تنعكس في حديثه، بخلاف الغلاف الخارجي الذي يموّه مكنون الشخص، لذا يوهم البعض المحيط بما يريد بناء على هيئته الظاهرية، ولكن سرعان ما يتعرى من الأقنعة وتطفو الحقيقة على السطح، على غرار تأثير وهم المعرفة وإدراك الجهل أو ما يسمى تأثير دانينغ كروجر، فإن هناك فرضية سابير-وورف تنبثق من علم اللغويات، إذ تنص الفرضية على إن اللغة التي تتحدثها تحدد طريقة تفكيرك ورؤيتك للعالم من حولك وتنقسم الفرضية إلى نسختين، الأولى: تؤكد أن اللغة تقيد العقل، فلا يمكنك التفكير في أشياء لا يوجد لها مقابل أو كلمات في لغتك الأم.
والأخرى: تؤكد أن اللغة تؤثر فقط على طريقة تفكيرك وانتباهك وتسهل عليك ملاحظة أشياء معينة دون غيرها، بمعنى أن سكان القطبين الشمالي والجنوبي لديهم تسميات متنوعة للثلج، أما الشخص العادي -من دولة استوائية- لا يعي تلك الفروقات فسيسمي الثلج ثلجًا، كذلك لدينا أنواع التمور التي يصعب على الشخص الأوروبي أن يفرق بينها فسيجمعها كلها تحت وصف واحد «تمر» وقس على ذلك من الأمور الحياتية، من ألوان وأسماء وأفعال ومجاملات، وما إلى ذلك، ثم تدخل ثقافة الشخص المحلية والخاصة بأسرته وخلفيته الدينية ومرجعياته في مختلف النطاقات وتوجهاته، كل هذه المعطيات تشكل مفهوم ونظرة الشخص للأمور والأشياء والحياة ككل، كذا نظرة الآخرين له، وإن كان واقعًا في وهم المعرفة ويأتي من خلفية أقل تنوعًا ومرونة بالتالي سيكون شخصًا صعب الإقناع مثلاً وليس فرضًا، لذا نقول دائمًا إن تعلم اللغات مفيد والتعلم بشكل عام لأي مهارة أو ثقافة أو شيء جديد مهم لزيادة إدراك الإنسان بمحيطه وبنفسه، فكل شخص يمتلك رادارًا إما أن يكون بعيد المدى أو أكثر قربًا منك فلا يلتقط سوى موجات صوتك الداخلية وترتد إليه ثم تشوش عليه موجات عشوائية دون جدوى.
«كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي
وكلما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي»
- الإمام الشافعي

