: آخر تحديث

تحديات صحافة صناع المحتوى

2
2
1

حذرت الرئيسة السابقة لأخبار هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) من صعود ما يسمى "صحافة صناع المحتوى"، معتبرة أن المؤسسات الإخبارية لم تعد تنافس مؤسسات شبيهة بها، بل أصبحت تنافس أفرادًا نجحوا في بناء علاقة مباشرة مع الجمهور عبر المنصات الرقمية، حتى باتت أسماؤهم أكثر حضورًا من أسماء المؤسسات التي يعملون فيها أو غادروها.

ولعل تجربة المذيع الأميركي تاكر كارلسون مثال واضح على هذا التحول؛ فبعد مغادرته إحدى أكبر الشبكات الإخبارية انتقل معه جمهوره إلى منصاته الخاصة، محققًا ملايين المشاهدات دون الحاجة إلى شاشة تلفزيونية.. والأمر ذاته ينطبق على الإيطالي فابريزيو رومانو في الصحافة الرياضية، الذي أصبح بالنسبة لملايين المتابعين المرجع الأول لأخبار انتقالات اللاعبين، حتى بات اسمه هو العلامة التي يبحث عنها الجمهور، بغض النظر عن المنصة أو المؤسسة التي ينشر عبرها.

إذن، فالتحدي الحقيقي أمام المؤسسات الإعلامية لم يعد أن تكون الأسرع في نشر الخبر، ولا أن تمتلك المنصة الأكبر، بل أن تعيد تعريف علاقتها بصحفييها في العصر الرقمي؛ إذ أصبح من المألوف أن ينتمي الصحفي إلى مؤسسة إعلامية، بينما تنفرد حساباته الشخصية بأخبار حصرية تسبق ما تنشره المؤسسة التي يعمل فيها، وهو واقع يفرض على المؤسسات إعادة النظر في نماذجها التعاقدية والتحريرية.

ثم ينتقل التحدي إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، وهي قدرة المؤسسات الإعلامية على إنتاج محتوى ينافس ما يقدمه الأفراد، دون أن تتخلى عن ميزتها الأساسية؛ وهي العمل المؤسسي القائم على الخبرة المهنية المتراكمة؛ فالمطلوب اليوم ليس تقليد صناع المحتوى، بل توظيف مرونتهم وسرعتهم ضمن منظومة مهنية تجعل المحتوى أكثر موثوقية وعمقًا وتأثيرًا.

ولتحقيق ذلك على المؤسسات الإعلامية أن تحسم أولوياتها؛ فهل هي مؤسسات مشغولة بالإجراءات الإدارية والحضور والانصراف والجهود التشغيلية، أم مؤسسات مشغولة بصناعة الخبر؟ فالقيمة الحقيقية لأي مؤسسة صحفية لا تكمن في كثرة مديريها أو موظفيها الإداريين، بل في جودة صحفييها؛ ولهذا، فإن الحفاظ على الكفاءات الصحفية واستقطاب المواهب يجب أن يكون أولوية استراتيجية، لأن المؤسسة التي تفقد أفضل صحفييها تفقد ميزتها التنافسية، وإذا فرضت الظروف إجراءات تقشفية، فمن المنطقي أن تبدأ بمراجعة المصروفات والهياكل الإدارية المساندة، لا أن يكون أول ضحاياها الصحفيون الأكفاء؛ فذلك يشبه مستشفى يستغني عن أطبائه، أو مدرسة تستغني عن معلميها، ثم ينتظر منها أن تحافظ على جودة مخرجاتها.

هذا كله لا يلغي حقيقة أن المؤسسات الإعلامية تخوض مواجهة غير متكافئة؛ فهي تعمل ضمن أطر قانونية ومهنية صارمة، وتتحمل مسؤوليات تحريرية وأخلاقية، في حين ينافسها أفراد لا يخضع كثير منهم للضوابط المؤسسية نفسها، ويستفيدون أحيانًا من ضعف حماية الملكية الفكرية وسهولة إعادة نشر المحتوى دون تبعات تُذكر، ولا يعني ذلك المطالبة بتقييد الأفراد، وإنما بتوفير بيئة تنافسية أكثر عدالة تحفظ الحقوق، وتشجع الاستثمار في الصحافة المهنية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد