: آخر تحديث

عن الأفندي الرشيد الرئيس الذي لم يترك مذكراته

5
8
6

استُشهد الرئيس رشيد كرامي وهو في قمة العطاء السياسي الوطني العروبي يوم الأول من شهر حزيران 1987، من دون أن يترك مذكرات سنواته السياسية الثرية، ربما لأنه كان ما زال في النصف الأول من الستينات وأمامه المزيد من السنين، إذا شاء الله، لكي يحذو حذو ما فعله الرؤساء بشارة الخوري وكميل شمعون وشارل حلو وصائب سلام، الذين كتبوا بخط اليد وقائع عاشوا بعض سنواتها وعايشوا وقائع ما بعد الترؤس.

... أما وأن الرئيس الأفندي لم يحقق ذلك، ولم يعمل أيضاً على جمع مذكرات والده ونشرها، وليس هنالك ما يشير إلى أن وريثه الرئاسي، شقيقه عمر، قام بما لم يقم به، جمعاً للأوراق والمذكرات، فإن الأمل معقود على أن يؤدي هذا الواجب فيصل كرامي، على نحو ما فعل الرئيس تمّام سلام، كنوع من التكريم لعمه الرئيس الأفندي، فإنني سأحاول في ما يلي من السطور تسجيل وقائع تفيد جيلين من اللبنانيين: جيل الذين غابت عنهم، وسط زحمة العدوان والتفجيرات والاغتيالات وعمليات الخطف والتصفيات على الهوية في سنوات 1975-1990، وجيل الأبناء والأحفاد الذين، عندما نروي أمامهم ما جرى في وطنهم من جنون القتل الذي شمل حتى كبار الشأن، من رشيد كرامي إلى بشير الجميل إلى رينيه معوض إلى رفيق الحريري.. قامات سياسية لا تعوَّض، يتساءلون: لماذا يفعل الأسلاف ذلك؟

في بداية الأزمة التي أعقبت اندلاع شرارة الحرب الأهلية يوم الأحد 13 نيسان 1975، حيث أدى الاعتداء إلى مقتل 36 فلسطينياً داخل "بوسطة" مارة في محلة "عين الرمانة"، ارتأى الرئيس سليمان فرنجيه أن حكومة يترأسها رشيد كرامي هي العلاج لاستدراك ما قد بات أعظم. وعندما تقاطعت مصالح أهل السياسة والأحزاب والطوائف وطُلب من رشيد كرامي التقاط رغبة الإنقاذ هذه، فإن رد فعله تمثّل بقوله، مصوّباً على البعض المتحفظ على تكليفه تشكيل الحكومة: "كنتُ قد تردّدتُ عندما رشّحني زملائي النواب، وأنا لستُ راكضاً وراء الرئاسة لأنها ليست أكلة حلاوة. وحتى لو كنتُ أرغب فعلاً برئاسة الحكومة فهم غير راغبين بي، ومع ذلك فأنا مستعد للقبول إذا كان ذلك يساهم في حل المشكلة. فالمهم ليس رئاسة الحكومة بل المصلحة العامة...".

ومن بين الرسائل ذات الأهمية التي تلقّاها رشيد كرامي، وكان العنف يزداد عصفاً طائفياً بلبنان، وبالتالي بالحكومة التي يترأسها، رسالة من وزير الخارجية الأميركية الدكتور هنري كيسينجر بتاريخ 5 تشرين الثاني 1975، جاء فيها الآتي: "عزيزي دولة رئيس الوزراء. إن حكومتي تأمل كل الأمل في أن ينتهي القتال في لبنان، وهي تؤيد كلياً حكومتكم في جهودها الرامية إلى تحقيق هذا الأمر. إننا نتمنى لكم التوفيق في جهودكم لتشجيع جميع المعنيين على أن يتحلوا بالاعتدال وروح التسوية اللذين يبدوان ضروريين لإنهاء العنف والبدء بعملية سياسية تؤدي إلى أُسس جديدة من الاستقرار. وكما قلنا سابقاً، إن هدفنا هو أن نرى حلاً يحفظ استقلال لبنان وسلامة أراضيه وتماسكه ووحدته الوطنية. الرئيس فورد شاركني في تمنياتي الشخصية لكم...".
(لماذا لا تكون دبلوماسية الزمن الترامبي تجاه لبنان بمثل رقي التعامل الذي تعكسه رسالة كيسينجر إلى رشيد كرامي وتمنياته وتمنيات رئيسه أيضاً له؟).

في علاقة رشيد كرامي مع "سوريا حافظ الأسد" محطة لافتة، تتمثل في زيارة قام بها إلى دمشق، الإثنين 22 كانون الأول 1975. جرى نصحه بعدم الانتقال جواً في طوّافة، لكنه أصرّ على التوجه براً، ليفاجأ باستقبال سوري متميز عند الحدود، وليكتمل التميز بأن الرئيس الأسد أبقى رئيس الحكومة محمود الأيوبي ووزير الخارجية عبد الحليم خدام لمدة عشر دقائق، ليعقد بعد ذلك مع كرامي محادثات دامت ثلاث ساعات، أعقبتها دعوة كرامي إلى تناول الغداء مع الرئيس الأسد، ثم ليعود إلى بيروت بطائرة من نوع "أنطونوف" وضعها الأسد بتصرّفه تكريماً له. لكن كرامي ما لبث أن قدّم استقالته لاحقاً بعدما لم يصمد اتفاق وقف إطلاق النار في سائر أحياء العاصمة وبعض المناطق.

وفي معرض كلام له يتعلق بـ"الحل الدستوري"، الذي بموجبه يقدّم رئيس الجمهورية سليمان فرنجيه استقالته بعدما وصلت الاحترابات، عاصمة وبلدات وسهولاً وجبلاً، إلى مشارف انهيار الدولة، وكذلك النظام، وبات الرئيس فرنجيه نفسه، وهو في القصر، مستهدفاً بهجوم صاروخي، كانت للرئيس كرامي وجهة نظر تمثّلت بقوله: "صدّقوني إن الحكم بلغ حالاً تجعلني أعتبر أن الذي سيصل إلى الرئاسة لن يكون هو أكثر المرشحين سعادة، بل ربما كان أشدّهم شقاءً".

ترشيح الرئيس رشيد كرامي للقطب الشهابي الياس سركيس حلاً للعقدة الرئاسية الناشئة عن استقالة غير اختيارية للرئيس سليمان فرنجيه جاء بالكلمات الآتية: "قررنا ترشيح الأستاذ الياس سركيس، داعين الله التوفيق بمؤازرة الجميع، ذلك لأن هذا المركز، كغيره، هو تكليف وليس بتشريف. على أن هذا لا يعني انتقاصاً من قدر الآخرين، بل إننا نقدّر كل واحد يطمح إلى هذا المركز، لكن المطلوب واحد والمرشحون كثيرون. فإذا لم يحصل الإجماع عليه نثق بأن التنافس سيكون رياضياً، آملين الخير لهذا الشعب، راجين أن يكون الاستقرار والأمن السبيل إلى عودة الحياة الطبيعية...".

ولقد تم انتخاب الياس سركيس رئيساً للجمهورية يوم 8 أيار 1976، قبل ستة أشهر من موعد تسلّمه سدة الحكم في أيلول طبقاً للدستور. لكنه منذ البداية وجد نفسه يواجه تعقيدات ما كان ليتجاوب، لو توقّع حدوثها، مع سعي صديقه رشيد كرامي للإتيان به رئيساً للجمهورية. وقد بقيت ظروف هذه التعقيدات تعصف بوجدانه إلى أن توفي، بعد فترة من انتهاء ولايته، في باريس، التي اختار شقة في أحد أحيائها الراقية مقراً لإقامته، وكانت في الواقع للعلاج أكثر منها للراحة. وقد أمضى الأشهر القليلة التي عاشها مريضاً في باريس يتأمل في سنوات حكمه الكثيرة الصعوبة، وصديقه الرئيس رشيد كرامي في البال، وكيف أنه لم ينسجم مع النظام السوري الذي جيء به رئيساً بإشارات من الرئيس حافظ الأسد، وكان يتطلع إلى أن يكون بشير هو من سيخلفه، وكان في نظره بمثابة الابن، لكن تمت تصفية الشيخ بشير الجميل، وزادت أحزان الرئيس الياس سركيس، ثم تزايدت أحزانه بعد تفجير طائرة الهليكوبتر، تموز 1987، التي كان يستقلها أقرب المقرّبين إليه رئيس الحكومة رشيد كرامي، الذي كان خير سعاة الإقناع السياسي لانتخابه رئيساً. وأعادت هذه العملية إلى الأذهان الاعتداء الأرضي–الطرابلسي الذي استهدف والده الرئيس عبد الحميد "ونجا منه بأعجوبة"، على نحو ما أورده الرئيس الشيخ بشارة الخوري في مذكراته.

ولقد بات الاثنان العازبان، اللذان آثرا عدم الزواج وإنشاء عائلة تضم الأبناء والبنات، في ذمة الله تباعاً، وكلاهما لم يترك مذكراته التي تكشف الستار عن مواقف ووقائع تثري التاريخ الحديث للبنان، الذي على موعد مع قيامة بعد طول عقود من عذاب بالغ القساوة.

 

إحدى صور الزمن اللبناني–السوري في قصر الضيافة في دمشق، يبدو فيها الرئيسان حافظ الأسد وسليمان فرنجيه محاطين برئيس الحكومة اللبنانية، زمنذاك، رشيد كرامي إلى يسار الأسد، ورئيس الحكومة السورية محمود الأيوبي إلى يمين فرنجيه. والأربعة في حال تعكسها ابتسامة كلٍّ منهم، تثبيتاً من الجانبين لـ
إحدى صور الزمن اللبناني–السوري في قصر الضيافة في دمشق، يبدو فيها الرئيسان حافظ الأسد وسليمان فرنجيه محاطين برئيس الحكومة اللبنانية، زمنذاك، رشيد كرامي إلى يسار الأسد، ورئيس الحكومة السورية محمود الأيوبي إلى يمين فرنجيه. والأربعة في حال تعكسها ابتسامة كلٍّ منهم، تثبيتاً من الجانبين لـ"الوثيقة الدستورية" التي أُذيعت ليلة السبت 14 شباط 1976 بصوت الرئيس سليمان فرنجيه، وبدايتها: "إن لبنان بلد عربي حر مستقل". بعد بضع سنوات بات لبنان وما زال منقوص الحرية والاستقلال التام


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.