ما توقعاتك لمرحلة الحرب المقبلة؟، بهذا السؤال بادرني قبل أيام صديق إعلامي مخضرم، حيث جاء السؤال، كتفاعل طبيعي لمتابعة القنوات الإخبارية أمامنا لتطورات الأحداث المتسارعة في منطقتنا، شخصياً اعتبرت السؤال مباغتا وصعبا جداً، ليس لأنني لا أتابع ما يحدث، وليس لأنني لا أملك رأياً، ولكن لأنني مؤمن بأن الإجابات، وخصوصاً التوقعات المستقبلية بالحروب، لا يملكها الإعلام، مهما بلغت خبرته، وإنما تبدأ عند السياسيين، ومن بعدهم القادة العسكريون، فهم وحدهم من يمتلكون معلومات لا تظهر على الشاشات، ولا تصل إلى المحللين، ولا يعرفها المتابع العادي.
على النقيض نجد سهولة جواب سؤال، «ما توقعاتك»، السؤال الذي كان متكرر وطبيعي ولكن لأحداث مختلفة تماماً، وأقصد مونديال كأس العالم الذي ودعناه بعد أكثر من شهر من المتابعة اليومية، أعرف أنه لا يوجد مقارنة، ولكن الرابط هو السؤال، وإن اختلف المضمون، كوننا وهذا قد يكون طبيعي تحولنا لمحللين رياضيين، يتحدثون عن التشكيلة، وخطط المدربين، وأسباب الفوز والخسارة، وتوقع نتائج المباريات.
لان الأمر في النهاية يرتبط بمنافسة رياضية، والخطأ في التوقع لا يتجاوز نتيجة مباراة، أو خروج منتخب من البطولة، لكن الأمر اليوم مختلف، فمع السؤال الذي وجه لي، أجدني لا أتحدث عن مباراة يمكن تحليلها، ولا عن بطولة ستنتهي بتتويج بطل جديد، وإنما عن أحداث سياسية وعسكرية متسارعة، تتداخل فيها المصالح، وتتشابك فيها الحسابات، وتتغير معطياتها أحياناً خلال ساعات قليلة.
وهنا الفرق الكبير بين تحليل المباريات، وتحليل مستقبل الحروب، ففي كرة القدم، الجميع يشاهد المباراة نفسها، ويقرأ الإحصاءات نفسها، ثم يبني رأيه، أما في الأزمات، فالمشهد مختلف تماماً، هناك معلومات لا تُعلن، واتصالات لا تُكشف، ورسائل تُرسل خلف الكواليس، وقرارات تُتخذ بعيداً عن عدسات الكاميرات، لذلك يبقى كثير مما يقدم على أنه توقع، مجرد اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ.
فعندما ننتقل بجهاز الريموت بين عدد من القنوات الإخبارية، سنجد أن الحدث واحد، لكن طريقة تقديمه تختلف من قناة إلى أخرى، لأن لكل قناة زاويتها، ولكل محلل قراءته، ولكل مؤسسة إعلامية سياستها التحريرية، كما أن لكل دولة مصالحها التي تنعكس، بشكل أو بآخر، على خطابها الإعلامي، حتى مفردات اللغة ليست واحدة.
فالقناة التي تصف الحدث بأنه (تصعيد)، قد تسميه أخرى (رد)، بينما تستخدم قناة ثالثة وصفاً مختلفاً تماماً للحدث نفسه، كون اختيار الكلمات ليس أمراً عابراً، بل جزء من الرسالة الإعلامية، لأن المصطلحات قادرة على تشكيل انطباع المشاهد قبل أن يكوّن رأيه، ولا أقصد بذلك التشكيك في وسائل الإعلام، فالإعلام يظل المصدر الرئيس لفهم ما يجري، لكنه أيضاً يعمل في بيئة تتأثر بالسياسات التحريرية، وبمصادر المعلومات، وبالسرعة التي تُفرض عليه لنقل الحدث لحظة وقوعه.
نحن أمام تحديات أهمها أننا وهذا هو المهم، يجب أن لا نتحول جميعاً إلى محللين سياسيين أو عسكريين، ولا أن نبحث عن توقع جديد مع كل خبر عاجل، بل أن نفرق بين الخبر والتحليل، وبين المعلومة والرأي، وان نكون أكثراً حذراً خصوصاً مع تحليلات آراء مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، لأننا سنجد البعض يتحدث بثقة، وكأنه يمتلك الحقيقة الكاملة.
لذلك وللحفاظ على نفسياتنا وتقبلنا للأحدث حولنا، حاولوا أن لا تتعمقوا بالتحليلات وكمية الأخبار حولكم، وإرهاق جهاز الريموت، ابحثوا عن المصادر الرسمية، وقراءة المشهد بهدوء، والحذر من الإشاعات والرسائل الإعلامية المبطنة والملغومة، لأن الأمر ليس توقع من سيفوز بكأس العالم.

