ساهمت وتساهم التقنية الإدارية في تحقيق إيجابيات كثيرة في بيئة العمل تضمنت رفع مستوى الأداء وزيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات واختصار الوقت المخصص للإنجاز وتطوير أساليب التقييم وغيرها كثير من الإيجابيات إذا أحسن استخدامها.
الجدل الذي يتكرر حول موضع التقنية ليس له علاقة بمكاسب التقنية فهذه حقيقة لا جدال فيها، ما يطرح حول هذا الموضوع يتضمن أسئلة منها على سبيل المثال: هل هي ضرورة في كل مجال عمل؟ هل بالغنا في استخدامها حتى أحلنا من يشغل وظائف بسيطة إلى دكة البطالة؟ هل تطوير وسائل الاتصال أدى إلى فجوة في التواصل الإنساني حتى أصبحت مراجعة الأجهزة واللقاء بالمسؤولين لا يتم إلا بموعد، وصار الرد الآلي هو الذي يتولى مهمة الرد على الاتصالات الهاتفية؟
نعم ساهمت التقنية في إيجاد فرص وظيفية في مجالات جديدة ولكن لماذا نجعلها مطلبا في كل مجال؟ لماذا نجعلها سببا في ارتفاع مستوى البطالة رغم أن بعض الوظائف تحتاج إلى الإنسان أكثر من حاجتها للتقنية؟ إذا كان هناك مشكلة فهي ليست في التقنية وإنما في المبالغة في استخدام منتجاتها، هل الروبوت مثلا حاجة ملحة في كل مجال؟ هل هو احتياج أم ترف؟ هل من الضروري مثلا أن يكون الروبوت بديلا عن الممرض في سحب عينة الدم أو يستقبلك في الدخول للمسرح أو السينما أو يخدمك في المطعم؟ وهل قرار استخدام التقنية يعتمد على معيار التكلفة فقط؟ هل سرعة الإنجاز هي الهدف أم جودة الأداء في بعض الأعمال ذات الطبيعة الإنسانية؟
ثم جاء الذكاء الاصطناعي الذي تطور بسرعة هائلة وما تبع ذلك من قلق المسؤولين من هذا المشروع، ثم دخل على الخط إيلون ماسك الذي أبحر في أفكاره وخياله وقال إنه سيغير العالم بالكامل بمليار روبوت، وإن الذكاء الاصطناعي سيتجاوز الذكاء البشري، وإن كل مشاكلنا الحالية ستنتهي بعد خمس سنوات، وحسب ماسك لن يكون هناك عمل للإنسان، الشهادات والمؤهلات الدراسية لن يكون لها قيمة، لأن الأعمال ستقوم بها الروبوتات وهي التي ستوزع المال على البشر مجانا، أما العلاقات الإنسانية في مكان العمل فستصبح سخيفة حسب توقعات ماسك أو أهدافه أو خيالاته.
في ظل هذه الظروف التقنية المتسارعة وما يحيط بها من قلق وتساؤلات وتحذيرات استضافت الرياض منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي الذي تطرق إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي المسؤول وحوكمته من أجل حماية البشرية والوصول إلى تعاون دولي وفق رؤية مشتركة لضمان استخدام التقنية بصورة مسؤولة وآمنة.
سؤال الختام للسيد ماسك: كيف ستكون العلاقات الإنسانية في مكان العمل سخيفة إذا كان الإنسان أصلا لن يقوم بأي عمل؟!

