تأتي الذكرى الثانية لعملية البيجر لتذكّرنا بأن أول ما انفجر في السابع عشر من سبتمبر 2024 لم يكن آلاف الأجهزة الصغيرة، بل هالة القداسة التي صنعها "حسن نصرالله" حول نفسه؛ فقد أمضى سنوات يطل من مخبئه متبجحاً بالصواريخ والأنفاق و"المفاجآت"، ويطلب من اللبنانيين أن يصدقوا أن اختفاءه عبقرية، وأن حزبه يرى ولا يُرى، ويضرب ولا يُمس، ثم جاءت إشارة من جهاز قديم لتكشف أن التنظيم الذي أخضع لبنان وشعبه بالرهبة كان مكشوفاً عبر سلسلة مشترياته، وأن زعيمه الذي توعّد بدفن خصومه لم يعرف أن هناك جهازاً مفخخاً معلّقاً على خاصرة رجاله.
لا تبدو لي هذه العملية الاستخبارية مجرد نجاح تقني أو حيلة تصلح لأفلام الجواسيس، لأن ما بنته المخابرات الإسرائيلية كان واقعاً مزيفاً كاملاً عاش حزب الله داخله مطمئناً؛ فبحسب التحقيقات العلنية وما كشفه كتاب "داخل غرفة الحرب"، الصادر هذا الشهر، تعود جذور الفكرة إلى ما بين عامي 2002 و2006 في عهد "مئير داغان"، ثم بدأ الموساد والاستخبارات العسكرية، نحو عام 2014، إدخال أجهزة اتصال لاسلكي إلى شبكة الحزب، استمع الإسرائيليون من خلالها لسنوات واحتفظوا بخيار تفجيرها، قبل أن تبدأ مرحلة البيجر عام 2022، بحثاً عن جهاز يحمله العنصر طوال الوقت ولا يتركه في المكتب أو المخزن.
وهنا ظهر الفارق بين جهاز استخبارات احترافي يصنع البيئة التي يريدها، وميليشيا إرهابية موهومة تظن أن الارتياب وحده يحميها؛ فقد أُنشئت واجهات تجارية وصلات تسويق وترخيص، وظهرت مواقع ومتاجر وهمية لبطارية لم تكن موجودة في السوق، ثم حمل المنتج اسماً تايوانياً معروفاً، وعبر شبكة تبدو طبيعية تمتد إلى هنغاريا وهونغ كونغ.
لم يعترض جهاز الموساد الإسرائيلي شحنة جاهزة ويزرع فيها عبوة، بل اخترع المنتج وسوّقه وصنع سمعته وسلسلة الثقة، ثم خفّض السعر حتى اختار مسؤول المشتريات في "حزب الله" المصيدة التي صُنعت له؛ كان يظن أنه يفحص سلعة، فيما كانت السلعة تفحص الحزب وتتعرّف إلى طريق قلبه.
أما البطارية فكانت خلاصة هذا الخداع، إذ أظهر تحقيق لرويترز أنها أخفت بين خليتين ستة غرامات من مادة شديدة الانفجار وصاعقاً غير معدني لا يظهر في الأشعة، ولذلك مرّت الأجهزة عبر فحوص الميليشيا، وحتى عندما لاحظ المسؤولون أن البطارية تُستنزف أسرع من المعلن، واصلوا توزيعها.
ولم تُترك لحظة التفجير للمصادفة؛ صُممت الرسالة المشفرة لتدفع حامل الجهاز إلى إخراجه وتقريبه من وجهه واستخدام يديه لقراءتها، واختُبرت النغمة التي تستفزه وكمية المتفجرات، أي إن الموساد لم يهندس القنبلة وحدها، بل هندس حركة حاملها في الثواني التي سبقت الانفجار.
والمفارقة الأكثر إذلالاً أن نصر الله منح الخطة ما تحتاج إليه من دون أن يدري؛ ففي فبراير 2024 حذّر رجاله من الهواتف، ووصفها بأنها أخطر من الجواسيس، وطالبهم بكسرها أو دفنها أو حبسها في صناديق حديدية، فعجّل الحزب بتوسيع استخدام البيجر. لم يصنع ذلك التحذير العملية، فقد بدأت قبله، لكنه دفع مزيداً من الرجال إلى الجهاز الذي أُعد لهم، وحوّل خوف القيادة من الهاتف إلى مسار شراء متوقع، ثم اشترى الحزب العلاج المسموم بيده. ولذلك لا أعتقد أن ما حدث كان خطأ موظف مشتريات أو ثغرة عابرة، بل انهيار مدرسة أمنية كاملة ظنت أن السرية تعني إطفاء الهاتف، ولم تفهم أن الخصم يستطيع أن يصنع لها البديل الذي تبحث عنه.
وعند الثالثة والنصف من بعد ظهر السابع عشر من سبتمبر، بدأت الأجهزة ترن، ثم انفجر نحو ثلاثة آلاف منها، وتلتها في اليوم التالي أجهزة الاتصال اللاسلكي التي بقي بعضها في حوزة الحزب قرابة عقد؛ قُتل عشرات وأصيب أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمئة. الأجهزة اشتُريت لشبكة "حزب الله" ووزعت على مقاتلين وكوادر قيادة وإسناد ومسعفين تابعين له، ووصل الاختراق إلى السفير الإيراني نفسه. لقد كانت الضربة موجهة إلى الهيكل الذي جعل الميليشيا الإيرانية دولة داخل الدولة.
الأهم، من وجهة نظري، أن الهدف لم يكن رفع عدد القتلى بقدر ما كان تسميم الثقة داخل التنظيم الإرهابي؛ فمن يحمل جهازاً بعد ذلك لا يثق ببطاريته، ومن شاهد زملاءه يسقطون معاً أدرك أن خصمه لم يقف خارج الأسوار، بل شارك في بنائها. وقد قال ضابطان سابقان في الموساد إن الغاية كانت نفسية بقدر ما كانت عملياتية، ثم روى "وفيق صفا"، أحد أقرب رجال نصر الله، هذا العام، أن مشاهد البيجر حطمت الأمين العام، وأنه توقف عن الطعام تقريباً طوال يوم ولم يعد بعدها الرجل نفسه؛ الرجل الذي أمضى عمره يوزع الخوف على اللبنانيين اكتشف، قبل موته بأيام، أن الخوف وصل إلى مخبئه.
ولم تكن العملية استعراضاً استخبارياً منفصلاً، بل صدمة افتتاحية استُثمرت عسكرياً بسرعة؛ ففي اليوم التالي انفجرت الأجهزة اللاسلكية، وبعد ثلاثة أيام قُتل "إبراهيم عقيل" وقادة من "قوة الرضوان"، ثم اتسعت الضربات على مخازن الميليشيا ومراكزها، وفي السابع والعشرين من سبتمبر انتهى نصر الله تحت ركام المقر الذي ظنه حصناً أبدياً.
المغزى هنا أن الاستخبارات لا تنتصر بجمع الأسرار فقط، وإنما بتحويل السر، في اللحظة المناسبة، إلى شلل وارتباك وفقدان قيادة، ثم إدخال القوة العسكرية من النافذة التي فتحتها؛ ولو انفجرت الأجهزة بلا حملة تالية، لبقيت العملية حيلة مذهلة، لكن تسلسل الضربات جعلها بداية تفكيك، لا مجرد يوم أسود في سجل الميليشيا الإيرانية.
لقد بنى "نصر الله" سلطته على وهم أن الغموض دليل معرفة، وأن الاختفاء مناعة، وأن منع السؤال شرط للمقاومة؛ فكلما ابتعد عن الناس بدا لجمهوره أعظم، وكلما أحاط قراراته بالسرية قُدّمت بوصفها حكمة لا يجوز فحصها. لكن عملية البيجر قلبت هذه المعادلة؛ اختفاؤه كان عزلة، وغموضه غطّى جهله بما دخل مخازنه، والخطابات التي أرادها ستار ردع أخفت وراءها جهازاً أمنياً مخترقاً.
وهذه هي علة التنظيمات العقائدية المغلقة؛ إنها لا تسقط دائماً لأنها تفتقر إلى السلاح، بل لأنها تخلط الولاء بالكفاءة، وتعتبر مساءلة القيادة خيانة، حتى تتحول كلمة الزعيم نفسها إلى ثغرة لا يجرؤ أحد على إغلاقها.
وبعد عامين من تلك العملية الإسرائيلية الناجحة، يستطيع "حزب الله" شراء أجهزة أخرى وتغيير الوسطاء وإعادة بناء بعض شبكاته، لكنه لا يستطيع إعادة الساعة إلى ما قبل الرنين الأول، لأن الميليشيا التي ادعت حماية لبنان عجزت عن حماية سلسلة مشترياتها، والقائد الذي هدد بدفن خصومه دُفن مع مشروعه تحت الخرسانة، و"البيئة الشيعية" الحاضنة التي طُلب منها تصديق الحماية الإلهية رأت أن القداسة المصطنعة لا توقف إشارة ولا تكشف بطارية.
وفي تقديري، أقسى ما في العملية ليس أن دولة إسرائيل وأجهزة استخباراتها الاحترافية وصلت إلى جيب عنصر في الضاحية، بل أن قيادة "حزب الله" قادت رجالها بنفسها إلى الأداة التي وصلت بها إسرائيل إليهم، وفجّرت صورة نصر الله المعصوم من الخطأ إلى الأبد.

