: آخر تحديث

الديزل الروسي يشعل واشنطن وترامب يكبح زيلينسكي

3
3
3

انقلبت حملة كييف على المصافي الروسية إلى عبء على واشنطن. أوكرانيا أرادت من ضرب منشآت التكرير خفض إمدادات الوقود الروسية وزيادة الكلفة على موسكو بعيدًا من الجبهة، لكن استمرار الهجمات ساهم في تشديد أزمة ديزل عالمية وصلت مباشرة إلى الولايات المتحدة. ومع تجاوز متوسط سعر الغالون 6 دولارات للمرة الأولى، وجد البيت الأبيض نفسه يدفع جزءًا من ثمن استراتيجية أوكرانية كان يفترض أن تتحمل روسيا كلفتها.

دونالد ترامب حسم موقفه بوضوح. طلب من فولوديمير زيلينسكي وقف استهداف منشآت الديزل الروسية، وقال إن تعطل الإمدادات من روسيا يرفع الأسعار و"يؤذي العالم"، مع إشارته إلى أن أوكرانيا تستطيع اختيار أهداف أخرى. وبعد يوم واحد، أعلن أن موسكو وكييف وافقتا على وقف استهداف منشآت الطاقة لدى الطرفين. زيلينسكي لم يؤكد وجود اتفاق مكتمل، وربط أي التزام أوكراني بضمانات لوقف الضربات الروسية على منشآت الطاقة والبنى التحتية. لكن الخلاف على التفاصيل لا يحجب التحول الأساسي، وهو أن واشنطن بدأت تتدخل في اختيار أهداف كييف عندما أصبحت نتائج الضربات مكلفة للاقتصاد الأميركي.

سلاح ارتد على داعمي كييف

تعاملت أوكرانيا مع المصافي باعتبارها هدفًا يوفر لها مكاسب تتجاوز خطوط الجبهة. ضرب منشآت التكرير يفرض تكاليف إصلاح وحماية ويؤثر في إنتاج الوقود، فيما تسمح المسيّرات بعيدة المدى بالوصول إلى مناطق يصعب بلوغها بوسائل أخرى. لكن هذا الحساب أغفل وزنًا أساسيًا لروسيا في سوق الطاقة العالمية.

روسيا ثاني أكبر مصدر للديزل في العالم، وحضورها في أسواق الخام والمنتجات المكررة يمنح أي اضطراب في صادراتها أثرًا يتجاوز حدودها. وفي الوقت نفسه، تبقى صادرات النفط الروسية قوية نسبيًا بالرغم من تراجع الإنتاج وتضرر بعض المنشآت والعقوبات الغربية، ما يمنح موسكو قدرة على إعادة ترتيب التدفقات والاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية. بمعنى اقتصادي مباشر، إصابة مصفاة لا تتحول تلقائيًا إلى خسارة روسية صافية بالحجم الذي تسعى إليه كييف.

المشكلة أشد وضوحًا في سوق الديزل. النفط الخام يمكن نقله إلى مشترين آخرين أو تكريره في منشآت بديلة، أما نقص الوقود المكرر فيحتاج إلى طاقة تكرير إضافية لا يمكن إيجادها بسرعة. شركات الطاقة تتوقع بقاء سوق الديزل ضيقة طوال الشتاء، بعدما تسببت الحروب واضطرابات المصافي في روسيا والشرق الأوسط بفقدان نحو 4 ملايين برميل يوميًا من الإمدادات المعتادة.

حرب إيران ضاعفت الضغوط على السوق، لكنها لم تلغ أثر الضربات الأوكرانية. العكس حصل. تقلص الإمدادات من الخليج جعل كل برميل روسي مفقود أكثر أهمية. وهنا أصبحت حملة كييف عاملًا إضافيًا في أزمة يعانيها المستهلك الغربي، بدلاً من أن تبقى أداة ضغط محصورة بروسيا.

روسيا تملك مساحة للمناورة

الفارق بين الطرفين يظهر في القدرة على تحمل النتائج. روسيا تملك قطاعًا نفطيًا واسعًا، ومنافذ تصدير متعددة، وخيارات لتعديل مزيج الصادرات بين الخام والمنتجات المكررة. وتستطيع الحكومة تشديد صادرات الوقود لحماية السوق المحلية أو تعديل التدفقات وفق الإنتاج والأسعار. هذه الأدوات لا تلغي أثر الضربات، لكنها تحد من قدرة كييف على تحويل كل إصابة إلى ضغط اقتصادي طويل الأمد.

أوكرانيا تواجه قيدًا مختلفًا. استمرار عملياتها يعتمد إلى حد كبير على الدعم الأميركي العسكري والمالي والسياسي. وحين يعلن الرئيس الأميركي بنفسه أن فئة من الأهداف الأوكرانية تضر بالمصالح الأميركية، يصبح هامش كييف أضيق بصرف النظر عن قدرتها التقنية على مواصلة الهجمات.

السوق أكدت أهمية هذا التحول. عقود الديزل قلصت مكاسبها فور إعلان ترامب عن تفاهم لوقف استهداف منشآت الطاقة. مجرد احتمال تحييد المصافي الروسية كان كافيًا لتخفيف الضغط على الأسعار، في إشارة إلى الوزن الذي باتت تمثله الإمدادات الروسية في سوق تعاني نقصًا حادًا.

فاتورة تصل إلى الناخب الأميركي

المشكلة بالنسبة إلى ترامب داخلية بقدر ما هي خارجية. مخزونات الديزل الأميركية تقل بنحو 13 بالمئة عن متوسط خمس سنوات، فيما تعمل المصافي الأميركية قرب طاقتها القصوى. ويدرس البيت الأبيض استخدام قانون الإنتاج الدفاعي لزيادة قدرات التكرير، لكن بلوغ معدلات تشغيل تقارب 98 بالمئة يترك مساحة محدودة لتعويض أي نقص كبير بسرعة.

كل دولار إضافي في الديزل يمر عبر الشاحنات والمزارع والمصانع قبل أن يصل إلى المستهلك في أسعار الغذاء والنقل والسلع. ويأتي ذلك قبل انتخابات التجديد النصفي، فيما أظهر أحدث استطلاع لـ"رويترز/إبسوس" تقدم الديمقراطيين على الجمهوريين بسبع نقاط في نيات التصويت للكونغرس، وتراجع الأفضلية التقليدية للجمهوريين في الملف الاقتصادي وسط استياء من كلفة المعيشة وحرب إيران.

هنا تصبح حسابات كييف أكثر تعقيدًا. ضرب المصافي الروسية قد يرفع كلفة التشغيل والحماية داخل روسيا، لكنه يرفع أيضًا سعر الوقود لدى الحليف الذي تعتمد عليه أوكرانيا أكثر من أي طرف آخر. وكلما ارتفع الديزل في الولايات المتحدة، تقل قيمة المكسب الأوكراني أمام الكلفة السياسية التي يتحملها البيت الأبيض.

إعلان ترامب عن وقف متبادل لاستهداف الطاقة يختصر هذه النتيجة. موسكو تملك القدرة على التكيف مع جانب من الضغوط والحفاظ على حضورها في أسواق الطاقة، فيما وجدت كييف أن إحدى أبرز أدواتها لضرب العمق الروسي أصبحت خاضعة لحسابات واشنطن الداخلية.

أرادت أوكرانيا أن تجعل المصافي مصدر ضغط على روسيا. بعد أشهر من الهجمات، وصل الضغط إلى محطات الوقود الأميركية، وبدأ ترامب يرسم حدود الحملة بنفسه. كييف تستطيع إرسال المسيّرات إلى العمق الروسي، لكن واشنطن باتت تقرر إلى أي مدى تستطيع الاستمرار في ذلك عندما تصل الفاتورة إلى الناخب الأميركي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.