: آخر تحديث
أضواء

الماغوط.. يدٌ للتحية وأخرى للقمع!

3
3
1

أدهشني، وأنا أقرأ كتاب "سأخون وطني" للشاعر والأديب والصحافي الكبير محمد الماغوط، ذلك السحر الخفي الذي تمتلكه عبارته، فهي تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة وقريبة من الكلام اليومي، لكنها سرعان ما تفتح في وعي القارئ تجاويف عميقة من الألم والغضب والسخرية والحنين.

يكتب الماغوط كمن يمشي على حافة الجرح، فلا هو يستسلم للبكاء، ولا هو ينجو تمامًا من مرارته. وكلما أوشك القارئ أن يبتسم أمام إحدى مفارقاته، باغتته العبارة بما تخفيه وراءها من وجع إنساني وسياسي واجتماعي.

لم تكن مشاهداته في لندن وباريس مجرد انطباعات سائح يزور بلادًا جديدة، أو وصفًا لأمكنة شهيرة من قبيل حدائق "هايد بارك" ومتحف اللوفر ومراكز المدن الأوروبية. كان الماغوط يحمل معه، أينما ذهب، ذاكرة الإنسان العربي المثقلة بالخوف والأسئلة. ينظر إلى الشوارع والحدائق والشرطة والمارة، ثم يقارن، بصورة معلنة أحيانًا وخفية أحيانًا أخرى، بين إنسان هناك تُصان كرامته في التفاصيل الصغيرة، وإنسان هنا أُرهقته السلطة حتى بات الاحترام بالنسبة إليه حلمًا بعيدًا.

في أحد مشاهده اللافتة، يروي الماغوط حكايته مع شرطي مرور في لندن. كان قد لاحظ أن الشرطي، كلما اقترب منه أحد المارة ليسأله عن طريق أو مكان، رفع يده مؤديًا التحية، ثم أجابه بأدب وهدوء. أثار هذا التصرف البسيط فضوله ودهشته، فطلب من سائق السيارة التي كانت تقله أن يتوقف، ثم ترجّل وتقدّم نحو الشرطي.

سأله في المرة الأولى عن الطريق المؤدي إلى المطار، فرفع الشرطي يده بالتحية، وأجابه برحابة صدر، موضحًا له الطريق. ابتعد الماغوط خطوات، لكنه لم يستطع مقاومة رغبته في تكرار التجربة، فعاد إليه مرة ثانية وسأله عن الساعة. رفع الشرطي يده من جديد، وأدى له التحية ذاتها، ثم أجابه بهدوء، كأن الأمر طبيعي لا يستحق الاستغراب.

غير أن الماغوط، بروحه الساخرة وفضوله المشاكس، أراد أن يذهب أبعد من ذلك. ابتعد قليلًا، ثم عاد إليه مسرعًا وسأله للمرة الثالثة: كم يبلغ راتبك؟ ولم يفقد الشرطي صبره، ولم يعتبر السؤال تطفلًا أو إهانة، بل رفع يده وأدى التحية، ثم أجابه عن سؤاله.

وقف الماغوط أمام هذا المشهد مأخوذًا لا بالشرطي وحده، بل بما تمثله تحيته من معنى. ففي "الشرق المأسوف عليه"، كما وصفه، اعتاد المواطن أن يرى يد الشرطي مرفوعة للضرب أو الزجر، لا للتحية والمساعدة. لذلك لم تكن دهشته نابعة من غرابة سلوك الشرطي البريطاني، بل من افتقاد الإنسان العربي لهذا السلوك البسيط في بلاده.

ويختصر الماغوط إحساسه بعبارة موجعة حين يقول إن لديه "جوعًا تاريخيًا إلى الاحترام والشعور بالإنسانية". لقد أخذ معه، كما عبّر، "زوّادة" من هذه الأشياء، شيئًا من الاحترام الذي افتقده طويلًا، وشيئًا من الشعور بأنه إنسان لا متهم، وأن السؤال لا يثير الريبة، وأن رجل الشرطة يمكن أن يكون حاميًا ومساعدًا، لا مصدرًا للرعب.

هذا المشهد القصير يكشف جانبًا عميقًا من أزمة الإنسان في أوطاننا. فالكرامة لا تُقاس بالخطب والشعارات، وإنما بطريقة تعامل الموظف مع المراجع، والشرطي مع المارّ، والمسؤول مع المواطن. وقد يحتاج الإنسان إلى سنوات طويلة حتى يشفى من الخوف، لكنه قد يستعيد شيئًا من ثقته بنفسه أمام تحية صادقة أو كلمة محترمة. وهكذا استطاع الماغوط أن يحول حركة يد عابرة في شارع لندني إلى إدانة كاملة لثقافة القمع والإذلال.

وفي مشهد آخر من "هايد بارك"، يلتقي الماغوط فتاة رائعة الجمال، كانت مستلقية على العشب الأخضر تستمتع بدفء الشمس، وإلى جانبها قاموس للغة العربية. ويصف الموقف بطريقته المرحة قائلًا إنها كانت تعمل "حمّام شمس"، في حين كان هو يعمل "حمّام لغة"، حاملًا قاموس جيب وبعض المطبوعات الفندقية التي تساعده على تعلّم كلمات إنكليزية يحتاج إليها خلال زيارته إلى بلاد الضباب.

وحين علمت الفتاة أنه قادم من البلاد التي تتعلّم لغتها، وأنها تنوي زيارة العالم العربي في المستقبل، اتفقا على أن يساعد كل منهما الآخر، هي تعلّمه كلمة إنكليزية، وهو يعلّمها ما يقابلها بالعربية.

جلس الماغوط إلى جانبها، ثم استلقى على العشب قريبًا منها، كما قال ساخرًا، "جسديًا ولغويًا"، وراح يحدثها عن بلاده العربية: عن أرضها وشمسها ودفئها، وعن زهورها وحبوبها، وعن الأدب الملتزم والواقعية، وعن أحدث الأساليب الشعرية والقصصية والمسرحية.

في هذا اللقاء العابر يظهر الماغوط طفلًا فضوليًا وشاعرًا يحمل بلاده في حقيبته. لم يكن يُقدّم للفتاة درسًا في اللغة وحدها، بل كان يفتح أمامها نافذة على وطن بعيد، جميل ومتعب في آن واحد. وكان الحوار بينهما يختصر قدرة اللغة على تقريب البشر، حين تتحرر من الخوف والتعصب وسوء الظن. فالفتاة لم ترَ فيه غريبًا قادمًا من الشرق، وهو لم يرَ فيها مجرد امرأة جميلة، بل وجد كل منهما في الآخر فرصة لاكتشاف عالم مختلف.

غير أن عين الماغوط لم تكن مفتونة بكل ما تشاهده، ولم يكن مستعدًا لأن يتحول إلى سائح يمدح الغرب ويصمت عن سلبيات أبناء مجتمعه. ففي مشهد ثالث، يرصد امرأة محجّبة في "هايد بارك"، ويقدّم وصفًا ساخرًا لحجابها وهيئتها، ثم ينتقل إلى عشرات الأسر العربية التي افترشت عشب الحديقة الندي. كان الرجال والنساء، بملابسهم التقليدية، يتناولون الطعام ويفصفصون البذور، ثم يتركون وراءهم القشور وأوراق السندويشات وعلب التبغ الفارغة.

لم يكن اعتراض الماغوط موجهًا إلى حضور العرب في الحديقة ولا إلى مظهرهم، بل إلى السلوك الذي ينقل الفوضى وعدم احترام المكان العام إلى بلاد تحافظ على حدائقها ونظافتها. وقد تناول المشهد بسخرية لاذعة، كأن إلقاء المخلفات على الأرض أصبح إسهامًا من المصطافين العرب في خدمة الاقتصاد البريطاني، لأن تنظيف ما يتركونه سيخلق عملًا إضافيًا للآخرين!

تضحكنا المفارقة، لكنها تضعنا أمام سؤال أخلاقي مؤلم: لماذا يطالب بعضنا بالاحترام، ثم لا يحترم المكان الذي يجلس فيه؟ وكيف نشكو من الصورة السلبية التي يحملها الآخر عنا، بينما نمنحه، بسلوكنا، ما يرسّخها؟ لقد كان الماغوط قاسيًا في وصفه، لكن قسوته لم تكن نابعة من كراهية لأبناء مجتمعه، بل من غضب محبّ يريد لهم أن يكونوا أكثر وعيًا بكرامتهم وصورتهم ومسؤوليتهم.

هذه المشاهد المتفرقة من كتاب "سأخون وطني" ليست حكايات سفر بالمعنى المعتاد، وإنما لوحات نفسية واجتماعية تكشف ما يراه الماغوط خلف الأشياء. فالشرطي الذي يؤدي التحية يذكّره بتاريخ طويل من الإهانة، والفتاة التي تتعلم العربية تمنحه لحظة تواصل إنساني نادرة، والمصطافون الذين يتركون مخلفاتهم في الحديقة يوقظون فيه سخرية جارحة من تناقضاتنا.

كان الماغوط يرى العالم بعين الشاعر والصحافي والإنسان المطارد معًا. يلتقط التفصيل الصغير، ثم يبني حوله عالمًا من الدلالات. وحين يسخر، لا يفعل ذلك طلبًا للضحك، بل لأن السخرية كانت وسيلته للدفاع عن نفسه في مواجهة واقع لا يُحتمل.

كان يضحك كي لا ينهار، ويكتب كي لا يختنق، ويسافر ليكتشف أن ما ينقص الإنسان في بلاده ليس الشوارع الواسعة والحدائق الجميلة وحدها، بل الشعور بأنه مرئي ومحترم وآمن.

ولهذا تبقى مشاهداته حيّة وقادرة على ملامسة القارئ حتى اليوم. إنها لا تتحدث عن لندن أو باريس وحدهما، بل تعيدنا إلى أوطاننا وأسئلتنا القديمة. فالماغوط لم يكن يبحث في أسفاره عن المعالم الشهيرة بقدر ما كان يبحث عن الإنسان، وحين وجده يُعامل باحترام، أدرك مقدار الجوع الذي حمله معه من الشرق، جوعًا لا يشبعه الخبز، بل تحية رجل شرطة، وإجابة هادئة، وشعور بسيط وعميق بأن للإنسان كرامة لا يجوز لأحد أن يهدرها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات