فالوعي الثالثي هو التفكير الاختياري الحر، الذي يتيح للمرء اتخاذ موقف واع من كل ما يجري له ومن حوله، كونه متطوراً عقلياً بدرجة كافية، وليس بحاجة إلى رادع، ولا إلى أي قوانين اجتماعية، فهو بطبيعته لن يؤذي أو يظلم أحداً، نتيجة لتعقله وانضباطه الداخلي والتزامه بكل القواعد الاجتماعية، لأن حياته ستختل، إن لم يفعل ذلك. لذا تصر أغلبية الأنظمة السياسية على وجود رادع خفي للجماهير، بخلاف ما هو موجود أمامهم.
أما أصحاب الوعي الثانوي، فيتصفون عامة بقدر أدنى من فهم الحدود في المجتمع. ومع ذلك يتيح لهم ذلك العيش بشكل طبيعي، بحيث لا تلاحقهم الشرطة، ولا تحاسبهم، ويمكن تكليفهم بمختلف المهام، وسوف ينجزونها، لكنهم ليسوا فائقي الموهبة والإبداع.
أما الذين يتمتعون بوعي أولي، فهؤلاء يعيشون بشكل بسيط، تقودهم الغرائز، ومسيّرون بيولوجياً، ولا يتميّزون بعمق تحليلي، وليسوا ميالين إلى المعرفة والاطلاع المستمر والنقد الذاتي، ومع ذلك لا يمكن وصفهم بالسيئين، بل هذه طبيعتهم، وحسب.
فمن لا يمتلك أذناً موسيقية لن يصبح شبيهاً بموزارت. وبالتالي فإن المؤشر على درجة وعي المجتمع ليس نوع نظامه، ولا عدد دور العبادة وأعداد المؤمنين، بل مدى حاجة هذا المجتمع واقعياً إلى مؤسسات الردع وعناصر الأمن والداخلية وما إلى ذلك، فكلما قلّت حاجته إليها، كان ذلك دليلاً على تقدّم وعيه.
يولد الشخص وينشأ مع ما يقنعه به الآخرون، أي ما هي العقيدة الصحيحة، والأكل الطيب، والملابس المقبولة، فهو في صغره لا يملك إمكانية الاختيار، ومع الوقت يكبر ويكبر معه دماغه، وتصبح لدى «البعض» القدرة على إجراء المقارنات.
لذا، نجد لدى ذوي الوعي الأولي من الرجال ميلاً إلى المقارنة بين من اشترى وماذا اشترى ومن تزوّج ومن هو الأكثر مالاً.
أما بالنسبة للمرأة، فإنها تقارن أي نوع من الرجال عند هذه المرأة أو تلك من النساء، وإذا تبيّن أن المقارنة ليست لمصلحة الشخص، الذي يقوم بالمقارنة، فستنعكس هذه على مشاعره الداخلية. فمثلاً هناك شخص يعمل طوال حياته بنزاهة، ومع ذلك لا يستطيع أن يعيش كما يعيش ذلك الثري، فينشأ لديه تنافر معرفي، ويرغب في مصادرة كل شيء وتوزيعه على الآخرين، وفق المفهوم الشيوعي أو الاشتراكي.
أما بالنسبة للشخص ذي التفكير الاختياري الحر، فكل ما سبق لا يعني له شيئاً، ولا يكترث بمن يمتلك حذاءً باهظ الثمن، فهو ببساطة يلبس المريح، ولو كان رخيصاً، وهذا ما نلاحظة على ملابس أصحاب المليارات من الأمريكيين.
أما بالنسبة للشخص، الذي لا يتصف بتفكير اختياري حر، أي صاحب الوعي الأولي، فإن المعيار الوحيد للمقارنة هو القيمة المادية، وكل شيء لديه يتركّز حول الطعام والتكاثر والهيمنة، ونظام التفاعل البدائي.
لذا يكرّر البروفيسور القول بأن أي نظام يظهر تفاوتاً بين المعلن والظاهر، بين الفعل والقول، أو النظرية والتطبيق، سيحفّز في الدماغ الجهاز الحوفي، عندئذ يستسلم الشخص للضغط الهرموني المتحكّم بالسلوك، وهذا معقد جداً، فالتحكّم بمثل هذا الضغط الهرموني ممكن بشكل ما عند الشخص ذي التفكير الاختياري الحر، أي ذي الوعي الثالثي، أما عند مستوى الوعي الأولي، فلا يمكن ذلك بأي شكل من الأشكال، وعندها قد يحدث الانفجار.
لهذا السبب تحديداً كان أصحاب التفكير الأولي وقود أي ثورة من الثورات، بينما نجد أن من يصل إلى الحكم هم أصحاب الوعي الثالثي.
أحمد الصراف

