: آخر تحديث

مسقط.. تاريخ ومستقبل

4
5
3

ثمة مدن تزورها فتعود منها بصورٍ وقصص، وثمة أخرى تعود منها بشعور يصعب وصفه، ومسقط -خلال زيارتي الأولى لها- كانت من النوع الثاني!

ذهبت إلى العاصمة العُمانية لأيام معدودة، وهي مدة قد تكفي للتعرف على معالم مدينة، لكنها بالتأكيد لا تكفي لاكتشاف بلدٍ بحجم عُمان؛ بلد تمتد حكايته عميقًا في التاريخ، وتتنوع جغرافيته بين البحر والجبل والصحراء والواحات.

أول ما استوقفني هو الإنسان، فالشعب العُماني مهذب بطبيعته، هادئ في حديثه، لطيف في تعامله، لا تشعر أن الترحيب سلوك مكتسب، بل خُلق اجتماعي متوارث، أؤمن دائمًا أن الإنسان هو أهم معالم المدن؛ فقد تنسى اسم مبنى زرته، أو طبقًا تذوقته، لكنك نادرًا ما تنسى الطريقة التي عاملك بها أهل البلاد، وربما لهذا السبب شعرت أن الهدوء في مسقط، ليس شعور الفراغ، وإنما الواثق من نفسه.

وهذه سمة تمتد إلى عمرانها أيضًا، فمسقط تتقدم دون أن تتخلى عن شخصيتها، عمارة تحمل روح المكان، والجبال تحاصر أجزاءها كأنها سور طبيعي، فيما ينفتح وجهها الآخر على خليج عُمان، هنا يبدو العمران وكأنه يحاور الطبيعة بدل أن يحاربها، وهي معادلة تفشل فيها مدن كثيرة، تعتقد أن التقدم يعني محو ما كان موجودًا.

في مطرح رأيت وجهًا آخر للمدينة، البحر، والسوق القديم، وقلعة مطرح التي تعلو المشهد كحارس من زمن آخر، تقف هناك فتدرك أن هذا الساحل كان جزءًا من شبكة بحرية ربطت عُمان بالهند وشرق أفريقيا وموانئ المحيط الهندي، والعُمانيون عرفوا البحر قبل أن تصبح السياحة البحرية صناعة، وكانت سفنهم تحمل التجارة والثقافة والبشر نحو ضفاف بعيدة.

ثم جاءت زيارتي لدار الأوبرا السلطانية لتقدم صورة مختلفة تمامًا، شاهدٌ أنيق يجمع بين الهيبة المعمارية والذائقة الفنية، ويؤكد أن الدول لا تُقاس فقط بما تشيده من طرق ومطارات ومصانع، وإنما أيضًا بما تتيحه للموسيقى والمسرح والفنون والجمال من مساحة إبداع.

أما كتابي المفضل لقراءة الشعوب فهو الطعام! إذ تذوقت الحلوى العُمانية، وهي الطقس الاجتماعي المرتبط بالقهوة والضيافة، وتعرفت على الشواء العُماني الذي يُطهى ببطء حتى يمسي إعداد الطعام نفسه حكاية، إلى المكبوس بتوابله وأرزّه، والعرسية بقوامها البسيط وذاكرتها الشعبية.

ولعُمان في الذاكرة العربية حضورٌ عتيق، فقد عُرفت منذ العصور القديمة باللبان والتجارة البحرية، وتعاقبت على سواحلها حضارات جعلتها نافذة الجزيرة العربية على المحيط الهندي، وحين تدرك امتداد النفوذ العُماني يومًا إلى زنجبار وشرق أفريقيا، تفهم أن البحر بالنسبة للعُماني لم يكن نهاية اليابسة، بل بداية العالم.

غادرت مسقط وأنا أشعر أنني فقط قرأت الصفحة الأولى من عمان، فدون العاصمة هناك نزوى وبهلاء والجبل الأخضر وجبل شمس وصور ورمال الشرقية، وهناك ظفار وصلالة في الجنوب، ومسندم في أقصى الشمال، ولكل منطقة طبيعتها وحكايتها.

بعض السفر يبهج العين، وبعضه يكسب المعرفة، والقليل منه يجدد نظرتنا إلى الأماكن والناس، ومسقط ظفرت بالثلاثة معًا!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد