: آخر تحديث

المليارات تخنق متعة الملاعب!

4
5
3

لم تعد سوق انتقالات اللاعبين مجرّد محطة موسمية تعيد الأمل إلى جماهير الأندية، وتمنح الفرق فرصة لترميم صفوفها، بل تحوّلت إلى عرض مالي صاخب، تتزاحم فيه الأرقام كما تتزاحم الأهداف، وتتصدّر فيه قيمة اللاعب أحيانًا موهبته وما يستطيع تقديمه داخل الملعب. وحين تصبح كرة القدم سوقًا ضخمة تُقاس فيها الأحلام بمئات الملايين، يَحقّ لعاشقها القديم أن يتساءل: هل ما زلنا أمام لعبة شعبية، أم أمام صناعة عملاقة لا مكان فيها إلا لمن يمتلك المال والنفوذ؟

انتهت سوق الانتقالات الصيفية لعام 2026 في الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى بتصدّر الدوري الإنكليزي الممتاز المشهد، بعدما تجاوز إنفاق أنديته 3.480 مليار جنيه إسترليني، محطّمًا رقمه القياسي السابق البالغ 3.140 مليار جنيه إسترليني. ولم تكن هذه الزيادة مجرّد طفرة عابرة، بل تعبيرًا عن مرحلة جديدة بلغ فيها سباق التعاقدات حدودًا يصعب على الخيال الرياضي القديم استيعابها.

وقد استحوذت الأندية الإنكليزية على تسع من أغلى عشر صفقات في السوق، فتعاقد مانشستر سيتي مع الأرجنتيني إنزو فرنانديز مقابل 125 مليون جنيه إسترليني، في صفقة وُصفت بأنها معادلة للرقم القياسي البريطاني، كما ضمّ إليوت أندرسون، في إطار عملية إعادة بناء واسعة أعقبت رحيل بيب غوارديولا. وتجاوزت قيمة تعاقدات سيتي الصيفية وحدها 450 مليون جنيه إسترليني، في مؤشر واضح إلى أن المنافسة لم تعد تكتفي بالمهارة والتخطيط، بل تحتاج أيضًا إلى خزائن مفتوحة بلا حدود.

إن شراء النجوم ليس خطأ في ذاته، فالأندية الكبيرة مطالبة بتقوية صفوفها، والجمهور يريد رؤية أفضل اللاعبين، كما أن كرة القدم أصبحت قطاعًا اقتصاديًا يوفر فرص عمل هائلة، ويجذب شركات البث والرعاية والإعلان. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول القيمة المالية إلى المعيار الأول، ويصبح اللاعب مشروعًا تجاريًا قبل أن يكون إنسانًا ورياضيًا، وتغدو الأندية علامات تجارية واستثمارية تبحث عن الأسواق والمشاهدات والعائدات أكثر من بحثها عن المتعة والانتماء.

وراء كل صفقة فلكية ضغط نفسي هائل قد لا يظهر في الصور الاحتفالية، فاللاعب الذي يُشترى بمئة مليون لا يدخل الملعب بقدميه وحدهما، بل يحمل فوق كتفيه ثقل الرقم وتوقعات الجماهير والإدارة والإعلام. ويُطالَب بأن يصنع المعجزات منذ المباراة الأولى، ويُحاسَب على كل تمريرة ضائعة، وربما يتحول، خلال أسابيع قليلة، من "صفقة القرن" إلى عبء يجب التخلص منه. وهكذا يصبح الإنسان أسيرًا لسعره، ويُنسى أن التأقلم والنجاح يحتاجان إلى وقت واستقرار وبيئة مناسبة.

أما المشجع، وهو الطرف الأكثر وفاءً في هذه الصناعة، فيجد نفسه بعيدًا، شيئًا فشيئًا، عن اللعبة التي أحبّها. لقد كان يرتبط بناديه لأنه يمثل الحي والمدينة والطبقة الاجتماعية وذكريات العائلة والأصدقاء.

وكان اللاعب يبقى سنوات طويلة، فتتشكّل بينه وبين المدرجات علاقة تشبه القرابة. أما اليوم، فقد باتت القمصان تتبدّل سريعًا، والنجوم ينتقلون وفق العقود والعروض، حتى أصبح من الصعب على الجماهير أن تبني علاقة وجدانية مستقرة مع لاعب قد يغادر عند أول عرض أكبر.

ولا يعني ذلك أن الإقبال على الدوري الإنكليزي سينتهي، أو أن المدرجات ستخلو، فالكرة الإنكليزية ما تزال تمتلك جمهورًا عالميًا واسعًا وقيمة تسويقية هائلة. لكن الخوف الحقيقي يكمن في تراجع العلاقة الروحية باللعبة، وفي تحوّل المتفرج من عاشق مشارك إلى مستهلك يدفع ثمن الاشتراك والتذكرة والقميص، ثم ينتظر منتجًا ترفيهيًا سريعًا. وحين لا يجد المتعة التي وُعد بها، يغادر كما يغادر أي سوق أخرى.

كذلك لا تضمن كثرة الإنفاق تحقيق البطولات، فتوتنهام أنفق أكثر من 330 مليون جنيه إسترليني، ومع ذلك تعثّر في بداية موسمه، لأن المال يستطيع شراء اللاعب، لكنه لا يشتري الانسجام، ولا يصنع الروح الجماعية، ولا يمنح الفريق هوية بين ليلة وضحاها. وقد أقرّ مدربه الإيطالي، روبرتو دي زيربي، البالغ من العمر 47 عامًا، بأن الفريق ما يزال يبحث عن الانسجام بالرغم من حجم الاستثمارات الجديدة.

إن كرة القدم لا تعيش بالأسماء اللامعة وحدها، بل بالتوازن بين الموهبة والعمل والصبر والانتماء. وقد تنجح بعض الصفقات في صناعة المجد، لكن صفقات أخرى ستبقى أرقامًا باهظة في سجلات المحاسبة.

والسؤال ليس فقط: كم دفع هذا النادي؟ بل ماذا أضاف اللاعب إلى الفريق؟ وماذا قدّم النادي إلى جمهوره؟ وهل أصبحت اللعبة أجمل وأكثر عدلًا ومتعة؟

ربّما تستطيع الشركات استرداد المليارات من حقوق البث والإعلانات وبيع القمصان، لكن ما يصعب استرداده هو ثقة المشجع إذا شعر بأن لعبته سُرقت منه. فالقيمة الحقيقية لكرة القدم لا توجد في دفاتر الأرباح والخسائر، وإنما في تلك اللحظة التي ينهض فيها جمهور كامل ليحتفل بهدف، وفي طفل يحفظ اسم لاعبه المفضل، وفي مدينة ترى ناديها جزءًا من هويتها.

وإذا استمر جنون الميركاتو في الصعود بلا ضوابط، فقد يأتي يوم تمتلك فيه الأندية أغلى اللاعبين، لكنها تفقد أثمن ما لديها: روح اللعبة ومحبّة جمهورها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.