: آخر تحديث

إلى أبنائي في وطن لا يزال يُبنى

4
4
3

في الأيام التي تسبق اليوم الوطني السعودي، أفكر في أبنائي وأبناء جيلهم، أكثر مما أفكر في الماضي. ففي مثل هذه الأيام نستعيد قصة وطن بدأ بفكر وإرادة، ثم أصبح دولة. نستذكر الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وتوحيد المملكة العربية السعودية. لكن القيمة الحقيقية للتاريخ ليست أن نقف أمام ما أنجزه السابقون بإعجاب، بل أن نسأل أنفسنا: ماذا سنفعل نحن بما تركوه لنا؟

إلى أبنائي وإلى جيلهم، أقول: كونوا مجتهدين. لا تخافوا من العمل الصعب ولا تبحثوا دائمًا عن الطريق الأقصر. ففي الحياة، كما في بناء الدول، الأشياء التي تستحق أن تبقى نادرًا ما تُبنى بسهولة.

آمنوا بوطنكم. آمنوا بأن الدولة مرجعكم وسندكم وأنها ترعى أبناءها وتستثمر في مستقبلهم. لكن لا تجعلوا هذه الثقة سببًا للانتظار، اجعلوها دافعًا للمشاركة. فالوطن ليس شيئًا نحصل عليه فقط، بل مسؤولية نحملها أيضًا.

وكونوا متآلفين. قد تبدو هذه نصيحة بسيطة، لكنها ربما تكون من أهم ما يحتاجه عالمنا اليوم. تعلموا أن تعملوا مع الآخرين، وأن تختلفوا من دون خصومة، وأن تستمعوا قبل أن تحكموا. لا تسمحوا للاختلاف أن يهدم ما يجمعكم. فالأمم القوية لا تُبنى بأفراد متشابهين، بل بأفراد مختلفين يعرفون كيف يعملون معًا.

تعلموا بلا توقف. اقرؤوا وشاركوا في برامج التعلم والتدريب وابحثوا عن المعرفة أينما كانت. استخدموا الذكاء الاصطناعي وتقنياته، تعلموا لغته وأدواته، لكن لا تسلموه عقولكم. اجعلوه يزيد قدرتكم على التفكير، لا أن يعفيكم منه.

وفي عالم مهووس بالجديد، لا تنسوا القديم. اقرؤوا التاريخ. اقرؤوه لأن الإنسان يتغير أقل مما تتغير الأدوات من حوله. ستجدون فيه الطموح والخوف، النجاح والفشل، الحكمة وسوء التقدير. وستكتشفون أن كثيرًا من تحديات المستقبل قد تكون جديدة في شكلها، لكنها قديمة في جوهرها.

نحن أمام عالم مختلف: ذكاء اصطناعي، تحولات اقتصادية، منافسة على المعرفة والموارد، تحديات في الطاقة والمياه والمناخ وأسئلة جديدة حول مستقبل الإنسان نفسه. لا تنتظروا من الآخرين أن يجدوا جميع الإجابات. ابحثوا عنها أنتم. وفكروا دائمًا في بناء أمتكم، في المشكلة التي تستطيعون حلها، المعرفة التي تستطيعون إضافتها، المؤسسة التي تستطيعون تطويرها والإنسان الذي تستطيعون مساعدته.

لقد واجه الذين سبقونا تحدياتهم وعلينا أن نواجه تحدياتنا. ومن تاريخ بناء المملكة نتعلم أن الحلول الكبرى تبدأ من الداخل، من الإنسان، من العلم، من الإرادة ومن الثقة بأن المستحيل اليوم قد يصبح واقع الغد.

وحين يأتي يوم وطني بعد عقود من الآن، أتمنى ألا يكون فخر أبنائكم بكم لأنكم عاصرتم مرحلة عظيمة فقط، بل لأنكم ساهمتم في صنعها. فالوطن الذي ورثتموه لم يصل إلى نهايته. إنه ينتظر إضافتكم.

لذلك، ارفعوا سقف طموحكم، اسعوا لما يبدو أصعب ولا تقيسوا أنفسكم بما هو متاح اليوم، بل بما يمكنكم أن تصنعوه غدًا. واجعلوا في داخلكم دائمًا ذلك الصوت الذي يقول: "لا تقبلوا بأقل من ذلك".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.