أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه.
وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ الخَثْعَمِي السُّهَيلِيّ، عَاشَ وَنَشَأ بِمَالِقَةَ بِالأَنْدَلُس؛ مَدِينَةِ مَلَقَا الإِسْبَانِيَّةِ اليَوْم.
وَسُهَيْلٌ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ عَبْدُالرَّحْمَنِ، هُوَ مَوْطِنُ وِلَادَتِهِ، فِي قَرْيَةِ مِنْ مَجْمُوعَةِ قُرًى تَنْتَثِرُ فِي وَادٍ بِالأَنْدَلُس مِنْ كُورَة مَالقة.
فَقَدَ السُّهَيْلِي بَصَرَهُ فِي صِغَرِهِ، فَزَادَ العَمَى مِنْ إِصْرَارِهِ عَلَى تَحْصِيلِ العِلْمِ، وَالانْهِمَاكِ فِي الطَّلَبِ، وَأَخْذِ عُلُومِهِ المُتَنَوّعَةِ وَمَعَارِفِهِ المُتْعِبَة، مِنْ 20 عَالِمًا وَشَيْخًا، دَرَسَ عَنْدَهُمْ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ، وَلَزِمَهُمْ أَشَدَّ مُلَازَمَةٍ،
مَنَحَهُمْ عَقْلَهُ وَوَقْتَهُ وَفِكْرَهُ، مَا أَثْمَرَ فِي بِنَاءِ شَخْصِيَّتِهِ عَالِمًا متبحرًا، فِي عُلُومِ القُرْآنِ، وَالقِرَاءَاتِ، وَالسِّيرَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَالحَدِيثِ النَّبَوِيّ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَالّلغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَالأَدَبِ، وَالبَلَاغَةِ، وَالنَّحْو.
ثُمَّ جَلَسَ الشَّيْخُ السُّهَيْلِيّ لِلطُّلَابِ، وبيَّنَ وَأَوْضَحَ وَشَرَحَ وَنَصَحَ فَطَارَتْ شُهْرَتُهُ فِي النَّاسِ، وَبَلَغَتِ الآفَاقَ، وَتَقَاطَرَ عَلَيْهِ الطَّلَبَةُ، وَقَصَدَهُ التَّلَامِيذُ، وَلَمَّا اشْتَهَرَ وَقُدِّر طُلِبَ إلَى مَرَّاكِش لِلتَّعْلِيمِ مِنْ قِبَلِ الوَالِي، الَّذِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَأَفْضَلَ إِلَيْه.
وَهَذِهِ هِيَ المَرْحَلَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي تَكُونُ مَرْحَلَةَ اكْتِفَاءٍ عِنْدَ السُّهَيْلِيّ، فِيمَا كَانَ قَبْلَهَا يُعَانِي شَظَفَ العَيْشِ، وَيَمْتَنِعُ عَنْ إِظْهَارِ الحَاجَةِ أَوْ سُؤَالِ النَّاسِ، فَهُوَ مِمَّنْ (يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ).
العِفَّةُ وَالشَّمَمُ عِنْدَ الإِمَامِ السُّهَيْلِيّ، تَنْطَلِقُ مِنْ تَوْحِيدِهِ للهَ، فَهْوَ لَا يَسْألُ غَيْرَ رَبِّهِ حَاجَتَهُ، وَفِي هَذَا المَيْدَان، اشْتَهَرَتْ قَصِيدَتُهُ العَيْنِيَّةُ وَهِيَ مِنْ أَصْدَقِ أَبْيَاتِ الرَّجَاءِ وَالتَّذَلُّلِ إلَى رَحْمَنِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمِهِمَا جَلَّ وَعَلَا، بِسُؤَالِهِ وَالافْتِقَارِ إِلَيْهِ سُبْحَانَه.
وَفِيهَا يَقُولُ السُّهَيْلِيّ:
يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيْرِ وَيَسْمَعُ
أَنْتَ المُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدائِدِ كُلِّها
يَا مَنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَى وَالمَفْزَعُ
يَا مَنْ خَزَائِنُ رِزْقِهِ فِي قَوْلِ كُنْ
أُمْنُنْ فَإِنَّ الخَيْرَ عِنْدَكَ أَجْمَعُ
مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيْلَةٌ
فبالافْتِقَارِ إِلَيْكَ رَبِّي أَضْرَعُ
مَا لِي سِوَى قَرْعِيْ لِبَابِكَ حَيْلَةٌ
فَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ
وَمَنِ الَّذِي أَدْعُو وَأَهْتِفُ بِاسْمِهِ
إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيْرِكَ يُمْنَعُ
حَاشا لِمَجْدِكَ أَنْ يُقَنِّطَ عَاصِيًا
الفَضْلُ أَجْزَلُ وَالمَوَاهِبُ أَوْسَعُ
إِنَّهَا قَصِيدَةٌ تَفِيضُ عُذُوبَةً وَصِدْقاً وَتَنْضَحُ عُبُودِيَّةً وَرِقَّا...
لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ جَلَّ وَتَبَارَكَ، الّذِي يَرَى مَا يُخْفِي الضَّمِيرُ، وَيَسْمَعُ هَمْسَ الفَصِيحِ وَالعَيِيِّ وَالصَّغِيرِ وَالكَبِير.
حِينَ يَجِدُّ الجِدُّ، وَتَدْلَهِمُّ الخُطُوبُ وَتَقَعُ الشَّدَائِدُ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يُرَّجَّى لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ وَالمُعْضِلَات.
وَاسْتَخْدَمَ الشَّاعِرُ (يُرَّجَّى) وَهِيَ غَايَةُ المُبَالَغَةِ مِنْ (يُرجَى). وَيَبْدُو مِنْ جَرَسِ يُرَّجَى أنَّ فِيهَا دَلَالَةً عَلَى تَكْرَارِ الرَّجَاءِ فِي عَدَدِ المَرَّاتِ الَّتِي يَقُومُونَ بِهَا وَتَقَادُمِ تَكْرَارِ الرَّجَاءِ يَزِيدُ الرَّاجِينَ إصرارًا عَلَى التَّرَجِّي، وَفِي الوَقْتِ ذَاتِه حُسْنِ ظّنّهِمْ بِالله، وَيَقِينِهِمْ بِاسْتِجَابَتِهِ سُؤْلَهُمْ.
إِنَّهَا حَالَةٌ مُشَابِهَةٌ لِبَيْتِ أَبِي نوَاسٍ الَّذِي يَتَذَلَّلُ فِيهِ غَايَةَ التَّذَلُّلِ لِرَبِّهِ وَهْوَ يَسْأَلُهُ وَيَرْجُوهُ وَيَطْلُبُهُ، حِينَ يَقُولُ:
وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي
جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوِكَ سُلَّمَا
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ
بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
كَلِمَةُ «تعََاظَمَنِي» وَحْدَهَا لِتَصْوِيرِ الصِّدْقِ وَغَايَةِ التَّذَلُّلِ لِلرَّب العَظِيمِ الجَبَّارِ، سُبْحَانَهُ...
إِنَّهُ لَا يَقُولُ: «ذَنْبِي عَظِيمٌ»، بَلْ «ذَنبِي يُرينِي نَفْسَهُ عَظِيمًا»، كَأَنَّ الذَّنْبَ شَخْصٌ يَقِفُ أَمَامَهُ. لَكِنْ حِينَ يُقَاسُ هَذَا العَظِيمُ بِعَفْوِ اللهِ، يَتَضَاءَلُ وَيَصْغُرُ حَتَّى يَتَلَاشَى.
وَهَذَا هُوَ فِقْهُ الرَّجَاء:
أَنْ لَا تَرَى الذَّنْبَ عَظِيمًا فَقَط، وَتَرَى العَفْوَ أَكْبَرَ مِنْهُ.
الَّلهُمَّ... مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيْلَةٌ
اللهم... مَا لِي سِوَى قَرْعِيْ لِبَابِكَ حَيْلَةٌ!
رَبِّ إنَّ: الفَضْل أَجْزَلُ أَوْسَعُ وَالمَوَاهِبُ
الَّلهُمَّ... بالافْتِقَارِ إِلَيْكَ رَبِّي أَضْرَعُ
ولَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ؟
قَالَ ابْنُ دحْيَة: عَنْ قَصِيدَةِ الفَرَجِ العَيْنِيَّةِ هَذِه:
أَنْشَدَنِيهَا السُّهيْلي، وَقَالَ: مَا يُسْأَل اللهُ بهَا فِي حَاجَة إِلَّا قَضَاهُ إِيَّاهَا...
وَنِعْمَ بِالله...

