المتأمل في استثمارات دول الخليج العربي عبر صناديقها السيادية يرى بلا شك نجاعة على المدى القصير والمتوسط والطويل لكثير من هذه الاستثمارات. وكوني لست اقتصاديًا ولا متخصصًا، وليس هذا مراد مقالي أصلًا بأن يكون اقتصاديًا مليئًا بالأرقام التي يفر منها الكثيرون، وأنا منهم، فإنني لن أدخل في تفاصيل العوائد والنسب وحجم الأصول. أنا فقط مواطن خليجي لديه حلم، وحلمي، على الأرجح، ليس حلمي وحدي.
فوراء هذه الاستثمارات الهائلة، ووراء الصناديق السيادية التي أصبحت أسماؤها معروفة في عواصم الاقتصاد العالمي، ووراء مليارات الدولارات التي خرجت من الخليج لتشتري حصصًا في شركات ومطارات وعقارات ومشاريع وتقنيات حول العالم، يظل سؤال بسيط يراودني: ماذا لو لعب الخليج اللعبة كلها معًا؟
ليس بمعنى أن تتوقف كل دولة عن الاستثمار منفردة، ولا أن تتخلى الدول الست عن سياساتها ومصالحها الوطنية، وإنما أن نضيف إلى كل ذلك طبقة جديدة من التعاون الخليجي الحقيقي، تعاون لا يكتفي بالبيانات واللجان والاجتماعات، وإنما يصنع أصولًا ومؤسسات ومشاريع لا تستطيع دولة خليجية واحدة، مهما بلغت إمكاناتها، أن تصنعها بالقوة نفسها منفردة.
وهنا تأتي "مونوبولي"، اللعبة البريطانية الشهيرة التي تعلمنا منذ الصغر أن المال وحده لا يكفي، عليك أن تشتري الأرض، وأن تعرف أين تضع أموالك، وأن تبني، وأن تفكر في الجولة المقبلة لا في رمية النرد الحالية.
ولعل قطر قدمت، من زاوية رمزية، نسخة واقعية من هذه اللعبة. فمن يتابع حجم الاستثمارات القطرية في لندن يدرك أن العبارة ليست مجرد نكتة صحفية. تمتلك قطر، عبر أذرعها الاستثمارية، حضورًا عقاريًا وتجاريًا ضخمًا في العاصمة البريطانية، شمل عقارات ومشاريع بارزة وحصصًا في أصول ذات قيمة استراتيجية ورمزية. وكأنها قررت أن تلعب مونوبولي، ولكن خارج صندوق اللعبة.
قطر لعبت مونوبولي على أرض الواقع. والسؤال الذي يشغلني ليس: لماذا فعلت قطر ذلك؟ بل: ماذا لو لعب الخليج كله؟
ماذا لو كان للخليج صندوقه السيادي؟
ماذا لو تأسس "صندوق سيادي خليجي مشترك"، تساهم فيه الدول الست كلٌّ بحسب قدرتها المالية، وتكون ملكية كل دولة وحصتها من الأرباح مرتبطة بنسبة مساهمتها؟ لا أتحدث هنا عن إلغاء الصناديق السيادية الوطنية الموجودة أصلًا، ولا عن دمجها في صندوق واحد. بالعكس، تبقى الصناديق الوطنية كما هي، ويأتي الصندوق الخليجي فوقها كأداة جديدة للاستثمار المشترك.
صندوق له مجلس إدارة محترف، وإدارة استثمارية مستقلة، وقواعد واضحة للحوكمة، لا يتدخل في قراراته السياسيون كلما أرادوا مشروعًا أو صفقة. صندوق يبحث عن الفرص التي يكون فيها الحجم الخليجي مجتمعًا أكثر تأثيرًا من حجم أي دولة منفردة.
كم سيكون حجم القوة التفاوضية لصندوق كهذا؟ وكم شركة عالمية يمكن أن يصبح الخليج شريكًا استراتيجيًا فيها بدل أن يكون مجرد مستثمر؟ وكم من التكنولوجيا يمكن أن نمتلكها بدل أن نشتري خدماتها؟ وكم من المشاريع العملاقة يمكن أن نؤسسها نحن، بدل أن نستثمر في مشاريع الآخرين فقط؟
قد يقول قائل: لدينا أصلًا صناديق سيادية ضخمة في دول الخليج. صحيح، لكن الفكرة ليست في إضافة مليارات جديدة إلى المليارات الموجودة، بل في إضافة عقل استثماري خليجي واحد إلى ستة عقول وطنية. وإذا صُمم هذا الصندوق بصورة مستقلة ومحترفة، فقد يصبح واحدًا من أهم تجارب التكامل الاقتصادي والاستثماري في تاريخ المنطقة، بل والعالم.
وهنا لا أستطيع منع نفسي من عقد مقارنة مع أوروبا.
الخليج وأوروبا مفارقة تستحق التأمل
الاتحاد الأوروبي هو أقرب تجربة كبرى يمكن استحضارها عند الحديث عن كيانات تتجاوز حدود الدولة الوطنية وتبني مؤسسات مشتركة فوق وطنية، أو ما يُعرف بمفهوم supranational. لكن هناك مفارقة تاريخية تستحق التأمل.
فالدول الأوروبية التي وصلت اليوم إلى واحد من أكثر نماذج التكامل المؤسسي عمقًا في العالم، لم تصل إليه في سنوات قليلة، بل بعد مسار تاريخي طويل، وبعد قرون من تشكل الدولة الوطنية والصراعات والحروب والتنافس بين القوى الأوروبية. أما دول الخليج العربي، فإنها دخلت عصر الدولة الوطنية الحديثة واستقلال القرار والسيادة الوطنية في فترة تاريخية أقرب بكثير إلينا.
ومع ذلك، إذا نظرنا إلى حجم التحول التنموي الذي حققته دول الخليج منذ استقلال معظمها وترسخ قرارها السيادي الوطني، فإننا أمام تجربة تستحق الفخر والإعجاب فعلًا. مدن تحولت خلال عقود قليلة إلى مراكز عالمية، وبنية تحتية تضاهي أكثر دول العالم تقدمًا، وجامعات ومؤسسات علمية وصحية وثقافية حديثة، وصناديق سيادية أصبحت لاعبًا مؤثرًا في الاقتصاد العالمي، وطيران وموانئ ومطارات وشبكات اتصالات وصناعات وتقنيات ومشاريع عملاقة.
وكل ذلك تحقق في عمر تاريخي قصير جدًا إذا قورن بعمر الدولة الأوروبية الحديثة ومساراتها الطويلة. لهذا لا ينبغي أن تكون المقارنة بين الخليج وأوروبا مقارنة نقصٍ وفائض، أو محاولة للقول إن طرفًا أفضل من الآخر. المقارنة الأهم هي في سرعة الإنجاز قياسًا إلى نقطة البداية والزمن المتاح.
وإذا كانت دول الخليج قد استطاعت أن تحقق كل ذلك منفردة، وفي غضون عقود قليلة نسبيًا، فالسؤال المنطقي ليس: هل نستطيع أن نتكامل؟ بل: ماذا يمكن أن نفعل إذا قررنا أن نتكامل؟
هنا تحديدًا تصبح تجربة الاتحاد الأوروبي درسًا يمكن الاستفادة منه، لا نموذجًا يجب نسخه. فلا حاجة لأن يصبح الخليج أوروبا أخرى. الخليج يستطيع أن يصنع نموذجه الخليجي الخاص، نموذجًا يحافظ على سيادة دوله وهويتها وخصوصيتها، لكنه ينشئ في الوقت ذاته مؤسسات مشتركة في المجالات التي يكون فيها العمل الجماعي أكبر من مجموع أجزائه.
ماذا لو كانت لدينا وكالة فضاء خليجية؟
وهنا لا أريد أن أكون متواضعًا في الحلم. ماذا لو أنشأنا GAA — Gulf Aerospace Agency؟
ليس مجرد مكتب خليجي لتنسيق برامج الفضاء، ولا مؤسسة تتبادل فيها الدول البيانات والصور في المناسبات، وإنما وكالة فضاء خليجية حقيقية، ذات ميزانية مشتركة، وبرنامج طويل الأمد، ومراكز أبحاث ومختبرات ومنشآت إطلاق وتصنيع، وتعمل وفق استراتيجية تمتد لعقود لا لدورات سياسية قصيرة.
على رأس قيادتها يمكن أن يجتمع الإرث والخبرة والطموح الخليجي: الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، أول رائد فضاء عربي مسلم، وسلطان النيادي، رائد الفضاء الإماراتي الذي أمضى نحو ستة أشهر في محطة الفضاء الدولية، إلى جانب علماء ومهندسين وباحثين خليجيين بارزين.
لكن لماذا نتوقف عند محطة الفضاء الدولية؟ ماذا لو كان الهدف التالي هو محطة فضاء خليجية؟ وماذا لو كانت هذه المحطة نواة لبرنامج خليجي مأهول طويل الأمد؟ ماذا لو امتلك الخليج قدرته الخاصة على تصميم وتصنيع وإطلاق الأقمار الصناعية؟ وماذا لو دخلنا مجال المركبات الفضائية، وأنظمة الدفع، والروبوتات الفضائية، والذكاء الاصطناعي الفضائي؟ ماذا لو كان لدينا برنامج خليجي للوصول إلى القمر؟ بل ماذا لو أصبح الخليج، في مرحلة لاحقة، شريكًا في مشاريع استكشاف المريخ؟
قد يبدو هذا الكلام اليوم طموحًا جدًا. وهذا بالضبط هو المطلوب. فالفضاء لم يعد سباقًا رمزيًا بين دولتين كما كان عندما انطلق يوري غاغارين إلى الفضاء ثم تبعه نيل أرمسترونغ إلى القمر. إنه اليوم أحد ميادين التنافس الاقتصادي والعلمي والأمني والتكنولوجي الكبرى. ومن يملك الفضاء يملك جزءًا من مستقبل الأرض.
لماذا إذن لا يكون للخليج مقعد في هذا المستقبل؟ ولماذا لا يكون اسم Gulf Aerospace Agency بعد عقود من الآن اسمًا معروفًا في عالم الفضاء، كما أصبحت أسماء وكالات الفضاء الكبرى اليوم؟
ربما يبدأ الأمر بقمر صناعي، ثم مركبة، ثم محطة، ثم رحلة إلى القمر. ومن يدري؟ ربما يأتي يوم ينظر فيه أطفال الخليج إلى صور رائد فضاء خليجي يقف على سطح القمر، كما نظرنا نحن إلى صورة أرمسترونغ قبل عقود.
وماذا عن الدفاع؟
هناك حلم آخر ربما يبدو أكثر حساسية، لكنه في رأيي أكثر إلحاحًا. ماذا لو انتقل التعاون العسكري الخليجي من مستوى التنسيق بين القوات إلى بنية دفاعية خليجية أكثر تكاملًا؟ وماذا لو كانت هناك قواعد عسكرية خليجية مركزية، موزعة على الدول الست، ومخصصة للدفاع الجماعي، بدل أن تكون البنية الأمنية الخليجية مرتبطة بدرجة كبيرة بوجود قواعد وقوات أجنبية؟
لا يعني ذلك القطيعة مع الحلفاء أو إنهاء الشراكات الدولية، بل يعني ببساطة أن يكون للخليج عموده الفقري الدفاعي الخاص: قواعد مشتركة، وقيادة وتنسيق مشترك، وأنظمة إنذار مبكر مترابطة، ودفاع جوي وصاروخي متكامل، وقوات نظامية مدعومة بقوات احتياطية من الدول الست، بحيث يمكن تعبئتها عندما تتطلب الظروف ذلك.
قد يقول البعض إن هذا حلم بعيد. ربما، لكن الدول التي تريد أن تحمي مستقبلها لا يمكنها أن تكتفي إلى الأبد باستعارة أمنها من الآخرين. والأحداث الإقليمية الأخيرة أعادت، بطريقة قاسية، طرح السؤال القديم: إلى أي مدى تستطيع الدول الاعتماد على الحماية الخارجية عندما تصبح مصالح القوى الكبرى نفسها جزءًا من الحسابات المعقدة للصراع؟
الخليج يحتاج إلى أن يكون شريكًا في أمنه، لا مجرد ساحة له.
المشكلة ليست في المال
وهنا أصل إلى الجزء الأصعب من الحلم. المشكلة الخليجية ليست نقص المال، وليست نقص العقول، وليست نقص الطموح، وليست حتى نقص التجارب الناجحة.
لدينا صناديق سيادية من بين الأكبر والأكثر تأثيرًا في العالم، ولدينا جامعات ومراكز أبحاث وبرامج فضاء، ولدينا شركات طيران وموانئ ومطارات ومشاريع تقنية وصناعات دفاعية، ولدينا أجيال شابة أكثر تعليمًا وانفتاحًا على العالم من أي جيل خليجي سبقها.
ما ينقصنا، في رأيي، هو تحويل هذه القوة المتفرقة إلى قوة مشتركة. وهذا هو جوهر الفكرة كلها: أن تنتقل دول الخليج من السؤال: ماذا تستطيع دولتي أن تفعل؟ إلى السؤال الأكبر: ماذا نستطيع نحن، دول الخليج الست، أن نفعل معًا؟
لكن هناك شرطًا
كل هذا سيظل حلمًا جميلًا على الورق إذا استمر كل بلد خليجي في حب "الشو" المنفرد. إذا أرادت كل دولة أن تكون هي صاحبة المبادرة، وهي صاحبة المشروع، وهي صاحبة الصورة، وهي صاحبة السبق، فقد نربح ستة مشاريع وطنية ممتازة، لكننا قد نخسر مشروعًا خليجيًا كان يمكن أن يكون أعظم من مجموع المشاريع الستة.
الخليج لا يحتاج إلى أن يتخلى عن المنافسة. المنافسة بين دوله قد تكون صحية ومفيدة. لكن هناك فرقًا بين المنافسة التي ترفع الجميع، والمنافسة التي تجعل كل طرف يريد أن يثبت أنه يستطيع أن يفعل كل شيء بمفرده.
والأهم من ذلك كله أن يبقى مجلس التعاون وفيًا لبعض المبادئ التي قام عليها منذ البداية: احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤون الغير، ووحدة الصف، والحرص على أن تكون الخلافات، مهما بلغت، أصغر من المصالح الاستراتيجية المشتركة.
لأنك لا تستطيع أن تبني صندوقًا سياديًا خليجيًا مشتركًا إذا لم تثق الدول ببعضها، ولا تستطيع أن تبني وكالة فضاء خليجية إذا كان كل إنجاز علمي يتحول إلى منافسة سياسية، ولا تستطيع أن تبني منظومة دفاع خليجية إذا لم يكن هناك قرار خليجي في اللحظة التي تحتاج فيها المنظومة إلى ذلك.
الثقة هي رأس المال الحقيقي، قبل النفط، وقبل الصناديق، وقبل الموانئ، وقبل الطائرات.
الخليج الذي أتخيله
أنا لا أكتب هذا المقال باعتباري اقتصاديًا، ولا باعتباري خبيرًا عسكريًا أو فضائيًا. أنا أكتبه باعتباري مواطنًا خليجيًا يتساءل: ماذا لو قررنا أن نستثمر في بعضنا كما نستثمر في العالم؟
ماذا لو كان لدينا صندوق خليجي ينافس أكبر الصناديق العالمية؟ وماذا لو كانت لدينا وكالة فضاء خليجية؟ وماذا لو كانت لدينا منظومة دفاعية خليجية حقيقية؟ وماذا لو أصبح لدينا مشروع خليجي مشترك للذكاء الاصطناعي، ومراكز أبحاث علمية عابرة للحدود، وشركات تقنية خليجية قادرة على المنافسة عالميًا، ومشروعات كبرى لا يكون السؤال فيها: "أي دولة ستنفذ؟" بل: "كيف ينفذ الخليج؟"
ماذا لو أصبح المواطن الخليجي قادرًا على أن يشعر بأن دول الخليج الست ليست فقط ست دول متجاورة تربطها الحدود والدم واللغة والتاريخ، وإنما منظومة حضارية واقتصادية واستراتيجية واحدة، لكل دولة خصوصيتها، لكن للجميع مستقبل مشترك؟
ربما يبدو كل ذلك مثاليًا، وربما يقول البعض إن السياسة أعقد من ذلك. صحيح، لكن كل مشروع عظيم كان يومًا ما حلمًا يبدو أكبر من واقعه. وأحيانًا لا تحتاج الأمم إلى مزيد من المال كي تتقدم، تحتاج فقط إلى أن تعرف كيف تجمع أموالها وعقولها وإرادتها في الاتجاه نفسه.
لهذا أعود إلى مونوبولي، اللعبة التي علمتنا أن شراء العقار ليس هو النهاية، وأن امتلاك مجموعة كاملة أهم من امتلاك شارع واحد، وأن القوة الحقيقية تأتي عندما تتحول الممتلكات المتفرقة إلى منظومة واحدة.
لقد لعب بعضنا اللعبة منفردًا، وربما آن الأوان لأن نسأل: ماذا لو لعب الخليج كله؟
لكن هذا الحلم سيبقى، كما يقول المثل البحريني/الخليجي: "تأذن في خرابه"، إذا ظل كل منا يريد أن يسمع صوته وحده، ويرى صورته وحدها، ويحقق سبقه وحده.
أما إذا عرفنا أن أعظم "شو" يمكن أن يقدمه الخليج للعالم ليس أن يقول كل بلد: أنا فعلت، بل أن يقول الخليج كله: نحن فعلنا.


