عبد الله سليمان الطليان
في عالمٍ أصبح الاهتمام فيه بالصورة يسبق الاهتمام بالحقيقة، لم يعد الحدث يُقاس دائمًا بحجم أثره، بل بقدرته على جذب الانتباه وإشغال الناس. ومن هنا برزت ظاهرة يمكن وصفها بـ (افتعال الحدث)؛ وهي صناعة أنشطة تبدو ذات أهمية كبيرة، بينما لا تحقق في واقع الأمر أثرًا يتناسب مع الوقت والمال والجهد الذي بُذل فيها.
ولا يقتصر افتعال الحدث على الأزمات السياسية أو الحملات الإعلامية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المؤسسات والجهات المختلفة. فقد يكون الحدث اجتماعًا مطولًا، أو ندوة متكررة، أو لجنة جديدة، أو ورشة عمل تستغرق ساعات طويلة، بينما كان بالإمكان تحقيق الهدف نفسه في وقت أقصر وبوسائل أكثر كفاءة. وهنا يصبح النشاط غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق الإنجاز.
لقد عرفت الثقافة العربية هذا النمط من السلوك فيما اصطلح على تسميته (بالنقاش البيزنطي)، وهو وصف للنقاشات التي تستنزف الوقت والجهد في قضايا هامشية، بينما تُهمل القضايا الأساسية. ولم يعد هذا الوصف مجرد تعبير أدبي، بل أصبح في بعض البيئات الإدارية صورة من صور الإدارة غير الفاعلة، حين يُقاس النجاح بعدد الاجتماعات، وطول المناقشات، وكثرة اللجان، لا بجودة القرارات ولا بحجم النتائج.
غير أن المشكلة لا تكمن في الاجتماع أو الندوة أو اللجنة نفسها، فهذه أدوات إدارية ضرورية، وإنما تكمن في الطريقة التي تُدار بها. فحين يتولى إعداد تلك الفعاليات أو إدارتها أشخاص يفتقرون إلى الخبرة العملية أو التأهيل في إدارة الاجتماعات وصناعة القرار، يتحول الحوار إلى تكرار للأفكار، وتتداخل الموضوعات، ويضيع الهدف الرئيس، فتغيب الأولويات، ويصبح الوقت هو الضحية الأولى.
وقد يكون هذا الضعف ناتجًا عن حسن نية وجهل بأساليب الإدارة الحديثة، وقد يكون في حالات أخرى وسيلة لإظهار نشاط شكلي، أو لتبرير ميزانيات، أو لإبراز حضور إداري أو إعلامي لا يقابله إنجاز حقيقي. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة؛ استنزاف للموارد، وإشغال للعاملين، وتأجيل للقرارات التي كان ينبغي أن تُحسم في وقتها.
إن أخطر ما في افتعال الحدث أنه يخلق وهمًا بالإنجاز. فكلما كثرت الاجتماعات، وتعددت العروض، وازدادت الصور والتغطيات الإعلامية، نشأ انطباع لدى المتابعين بأن عملًا كبيرًا يجري، مع أن المعيار الحقيقي ليس كثرة النشاط، وإنما حجم الأثر الذي يتركه ذلك النشاط في الواقع.
ويشير علم النفس المعرفي إلى أن الإنسان قد يقع فيما يُعرف بالخلط بين (النشاط) و(الإنتاجية)؛ إذ يميل إلى الاعتقاد بأن كثرة الحركة تعني بالضرورة كثرة الإنجاز. لكن التجربة تثبت أن المؤسسات الناجحة لا تملأ وقتها بالاجتماعات، وإنما تملأ واقعها بالنتائج. فالعمل الحقيقي يُقاس بما يضيفه من قيمة، لا بما يستهلكه من ساعات.
فالعمل لا يُقوَّم بما يُرفع حوله من شعارات، بل بما يتركه من إصلاح حقيقي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه». والإتقان لا يتحقق بطول الاجتماعات، ولا بكثرة اللجان، وإنما بحسن التخطيط، وسرعة الإنجاز، وجودة المخرجات.
إن الإدارة الناجحة لا تبحث عن صناعة الأحداث، بل عن صناعة النتائج. ولا تقيس نجاحها بعدد المؤتمرات والفعاليات، وإنما بما أحدثته من تغيير ملموس في الواقع. فكم من اجتماع قصير غيّر مسار مؤسسة، وكم من مؤتمر استمر أيامًا لم يترك بعد انتهائه سوى الصور والتوصيات.
ولعل أخطر ما تفرزه ثقافة افتعال الحدث أنها تستهلك أثمن ما تملكه المؤسسات، وهو الوقت. فالمال يمكن تعويضه، أما الوقت إذا مضى فلن يعود، ولهذا كانت الإدارة الرشيدة تنظر إلى الوقت بوصفه رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة أو مجتمع.
وفي النهاية، يبقى الفارق واضحًا بين الضجيج والإنجاز. فالضجيج يجذب الأنظار مؤقتًا، أما الإنجاز فيبقى أثره طويلًا. والحدث المصنوع قد يصنع انطباعًا عابرًا، لكن الإنجاز الحقيقي هو وحده الذي يصنع الثقة، ويمنح المؤسسات مصداقيتها، ويقود المجتمعات إلى التقدم. ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل اجتماع، وكل ندوة، وكل لجنة، ليس: كيف نصنع حدثًا؟ بل: ما الإنجاز الذي سيبقى بعد أن ينتهي هذا الحدث؟

