بعد رحلة طويلة بين الجرب السياسي، والتهجين، والحمى، والأورام، والنزيف، والجلطة والشلل، والزهايمر، والسرطان، ثم العدوى السياسية، قد يبدو المشهد قاتمًا، وكأن أمراض السياسة قدر لا فكاك منه، لكن الطب يعلمنا حقيقة مختلفة، فكما لا يوجد جسد بمنأى عن المرض، لا توجد دولة بمنأى عن الأخطاء، والفرق بين الأمم لا يكمن في غياب الأمراض، بل في قدرتها على مقاومتها والتعافي منها، فالمناعة السياسية ليست غياب الفساد، ولا اختفاء الأزمات، ولا نهاية الصراعات، بل هي قدرة الدولة والمجتمع على منع الخطأ من التحول إلى قاعدة، ومنع الانحراف من أن يصبح ثقافة، ومنع المرض من أن يتحول إلى أسلوب دائم في إدارة الشأن العام، ولهذا، فإن المناعة السياسية لا تُسنّ بقانون، ولا تُفرض بقرار، بل تُبنى عبر الزمن، إنها منظومة من القيم، والمؤسسات، والوعي، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام المسؤول، والمساءلة، والتداول السلمي للسلطة، واحترام الكفاءة، وتقديم المصلحة الوطنية على كل ولاء آخر. فحين تكون هذه الركائز قوية، يصبح المجتمع قادرًا على اكتشاف المرض في بدايته، وعزله، ومعالجته قبل أن يتحول إلى وباء.
ومن أهم علامات المناعة السياسية أن يخضع الجميع للمعيار نفسه، فلا يُبرَّر الخطأ لأنه صدر عن الحليف، ولا يُضخَّم لأنه صدر عن الخصم، ولا يُعفى مسؤول من المحاسبة بسبب منصبه أو نفوذه، فالعدالة الانتقائية ليست عدالة، بل أول أعراض انهيار جهاز المناعة السياسي.
وتبدأ المناعة من السياسي الذي يعترف بخطئه قبل أن يبرره، ومن المعارض الذي يرفض الكذب حتى في مواجهة خصمه، ومن القاضي الذي لا يميّز بين قوي وضعيف، ومن الإعلامي الذي يقدم الحقيقة على الإثارة، ومن المواطن الذي يرفض أن يكون أداة لنشر الشائعات أو وقودًا للكراهية والانقسام، لكن المناعة، مهما بلغت قوتها، ليست نهاية الطريق، فالغاية هي الشفاء السياسي.
والشفاء لا يعني الوصول إلى دولة بلا أخطاء، فذلك وهم لا تعرفه البشرية، وإنما يعني استعادة الدولة قدرتها على تصحيح أخطائها بنفسها، وتجديد مؤسساتها، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتحويل الأزمات إلى فرص للإصلاح، لا إلى مقدمات لانهيار جديد.
والدولة المتعافية هي التي تجعل القانون أقوى من الأشخاص، والمؤسسات أبقى من الحكومات، والكفاءة أعلى من المحسوبية، والمواطنة أوسع من الانتماءات الضيقة، والحوار بديلًا عن الإقصاء، والتنافس وسيلة للبناء لا للهدم. وهي الدولة التي لا تخشى تداول السلطة، ولا تخاف من النقد، لأنها تدرك أن الاعتراف بالخلل هو بداية العلاج، لا دليل على الضعف.
لقد علمتنا أمراض السياسة أن الجرب يبدأ بإهمال صغير، وأن التهجين يشوه الوظائف، وأن الحمى تنذر بالخطر، وأن الأورام تثقل الجسد، وأن النزيف يستنزف موارده، وأن الجلطة قد تشل حركته، وأن الزهايمر يفقده بصيرته، وأن السرطان يحول المرض إلى منظومة، وأن العدوى تنقل الانحراف من طرف إلى آخر، لكن الدرس الأهم هو أن كل هذه الأمراض، مهما اشتدت، ليست أقوى من دولة تمتلك مناعة حقيقية وإرادة صادقة في الشفاء، فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست اختبارًا لقدرة الدول على تجنب المرض، بل لقدرتها على تشخيصه مبكرًا، ومعالجته بشجاعة، ومنع عودته، وكما أن الطبيب لا يُقاس بعدد المرضى الذين يعالجهم، بل بعدد من يعيد إليهم عافيتهم، فإن عظمة الدول لا تُقاس بخلوها من الأزمات، بل بقدرتها على النهوض منها أكثر قوةً وعدلًا وحكمة، وعسى أن يكون هذا المختبر السياسي قد قدم تشخيصًا لأمراض الدولة، لا لإشاعة اليأس، بل لترسيخ قناعة أن لكل داء علاجًا، وأن الأوطان، مهما أثقلتها الأمراض، قادرة على استعادة عافيتها متى امتلكت الشجاعة في تشخيص العلة، والصدق في وصف الدواء، والإرادة في بدء العلاج.


