في الدراسات الحديثة، تُستخدم "السلفية" غالبًا للإشارة إلى تيارات إسلامية سنية حديثة تسعى إلى إعادة تشكيل الاعتقاد والممارسة الدينية وفق قراءة مثالية للأجيال الأولى. وقد تتخذ أشكالًا مختلفة، منها السلفية العلمية، والسلفية الحركية، والسلفية الجهادية، مع اختلافات كبيرة بينها. تتفق السلفيات على مرجعية الماضي والقياس عليه بوصفه النموذج المعياري الكامل الذي يُقاس عليه، بالرغم من أنها كلها مجرد قراءات تأويلية للنص الإسلامي الثابت.
السلفية الدينية، في نشاطها الدعوي، لا ترفض الحداثة الحياتية، فهي لا تعارض استخدام وسائل الحياة المعاصرة. لكن معظم التيارات السلفية تتبنى موقفًا نقديًا حادًا معارضًا من الحداثة الفكرية والفنية، ويذهب بعضها إلى التطرف، إذ يرى فيها خروجًا عن المرجعية الدينية أو عن التصورات الأخلاقية الموروثة، وهي مجرد تأويلات فردية حاولت فرضها تلك الجماعات، وفشلت لأنها تعاند مسيرة الحياة.
ما جرى في مهرجان الشعر العربي الذي نظمته وزارة الثقافة السورية يستحق التوقف. فهو ليس مجرد فعالية شعرية عادية، كالأمسيات التي تتابعت في المراكز الثقافية في المحافظات، إنه محاولة لإعادة رسم صورة دمشق.
يُعدّ مهرجان الشعر العربي مؤشرًا إلى تصور ثقافي آخذ في التشكل، يحاول المتنفذون في القطاع الثقافي فرضه حسب توجهاتهم السلفية الثقافية. من خلال المهرجان، رسموا تصورًا يعيد قصيدة النظم العمودية إلى موقع التعريف بالشعر، ويقدمها كأنها المعيار الطبيعي والأصيل، فيما يُدفع المنجز الشعري العالمي الحديث إلى الهامش، أو يُعامل كأنه انحراف عن الشعر، لا أحد وجوه تطوره الكبرى.
المشكلة هنا ليست في القصيدة العمودية. فهي جزء أصيل من التراث العربي، وفيها تجارب عظيمة لا يمكن إنكارها. المشكلة تبدأ حين تتحول إحدى صيغ الشعر السالفة إلى تعريف وحيد للشعر، وحين يُختزل تاريخ القصيدة في العودة إلى الوزن والقافية، كأن قرنًا كاملًا من التحولات الشعرية في العالم لم يحدث.
الشعر العربي نفسه لم يتوقف عند العمود. قصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، والتجارب التي أعادت النظر في اللغة والصورة والإيقاع وبنية القصيدة، كلها أسهمت في توسيع مفهوم الشعر العربي، وربطه بالتحولات الكبرى التي عرفها الشعر العالمي. إقصاء هذا المنجز لا يعيد للشعر عافيته، إنه يعيد رسم حدوده وفق ذائقة سلفية ثقافية تفرض تصورها من خلال السلطة التي بيدها.
الأكثر دلالة أن يكون ضيوف المهرجان أصحاب تجارب بائسة لا ترقى حتى إلى مستوى النظم الجيد، فقد فرّق العرب بين النظم والشعر منذ البدء.
إن بلاد الشام والعراق نقلت الشعر العربي الحديث إلى آفاق رحبة، منسجمة مع الاتجاهات العالمية في المسار الشعري. وإذا كانت هذه البلاد قد قدمت، قديمًا وحديثًا، شعراء رفيعي المستوى في الشعر العمودي، فإنها قدمت أعلام قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.
إن بعض التجارب البائسة التي قُدّمت في ذلك المهرجان بوصفها "الشعر" لم تعد تجد مكانًا لها في أي وسيلة نشر محترمة، حتى في بريد القراء. الأكثر بؤسًا أن تُقدَّم تلك الأصوات شعراء وشاعرات، وهم لم يقدموا سوى نظم طافح بالركاكة، ومضمون طافح بالخواء المعرفي.
إن فرض نمط شعري بأكثر نماذجه بؤسًا هو تمامًا ما فعلته السلفية الدينية المتطرفة حين استحكمت بالسلطة هنا أو هناك، ففرضت نموذجها المنغلق في الحياة بقوة السلطة.
إن مشاركة نماذج بائسة فكرًا وأسلوبًا، حتى بمعايير النظم، حدثت وتحدث على الدوام. لكن أن تُختصر تجربة الشعر العربي والمنجز الشعري العربي أو العالمي إلى هذا الشكل، فهذا يعيد تعريف دمشق ثقافيًا، بجعلها عاصمة ثقافية للشعرية السلفية التي تخلت عنها جميع البلاد العربية.
القصدية كانت واضحة، أن تتحول اختيارات كهذه إلى إعلان ضمني عن الذائقة التي تريد المؤسسة الثقافية السورية اعتمادها وتعميمها، وجعلها المعيار التام الذي يُقاس عليه.
هذه هي ملامح السلفية الشعرية، ليست بالضرورة سلفية في شكل القصيدة، ولا حتى في موضوعها، إنما في فرض تصورها لما ينبغي أن يكون عليه الأدب، ولما يجوز أن يدخل في تعريف الشعر، ولما ينبغي استبعاده. إنها تبدأ من الحنين إلى نموذج واحد، ثم تنتهي إلى سلطة معيارية تضع الأدب في خانة الحلال والحرام الجمالي، والأصيل والدخيل، والصحيح والمنحرف.
سوريا ليست بحاجة إلى من يأتي ليعلم السوريين الشعر، بنماذج رثة لا تجد مكانًا إلا في شبكات التواصل، كما لو أن البلاد لم تنتج شعراء ومجددين ومدارس أدبية، ولم تكن جزءًا من الحراك العربي الحديث في الثقافة والفكر. سوريا بلد متعدد في لغاته وبيئاته وذاكرته وتقاليده، وهذه التعددية لا تُدار بفرض ذائقة واحدة، ولا تُختزل في صورة ثقافية مستوردة من خارج تجربتها.
نحن بحاجة إلى مهرجانات تفتح المنابر، لا إلى مهرجانات تضيق بها. نحتاج إلى أصوات جديدة في الشعر، في قصيدة التفعيلة، والنثر، والعمودي إن وُجد، بالرغم من أنه استنفد زمنه وجمالياته وبلاغته. نحتاج إلى أصوات مجددة، إلى التجارب المحلية والعربية والعالمية، وإلى حوار نقدي يختبر قيمة القصيدة، بدلاً من أن يمنحها شرعيتها مسبقًا من شكلها وحده.
الثقافة التي تستحقها سوريا هي التي تثق بإبداع السوريين، وتعرف أن استعادة العافية الثقافية لا تعني استعادة الماضي كسلفية ثقافية معيارية يُقاس عليها الحاضر، ولا تحويل التراث إلى سلطة رقابية على الحاضر. الشعر ليس ثوبًا واحدًا يُفرض على الجميع، ولا منبرًا لتكريس لون ثقافي واحد. الشعر فضاء للاختلاف، وكلما اتسع هذا الفضاء، اتسعت سوريا نفسها.


