: آخر تحديث

مرّ عام يا أمي..

3
3
2

عام كامل منذ رحيلك، وما زلت أتعلم أن الغياب لا يعني أن من نحبهم يغادرون تماماً. يتغيّر شكل حضورهم فقط؛ من صوت نسمعه إلى معنى يسكننا، ومن يد نلمسها إلى أثر نراه في تفاصيل حياتنا وفي وجوه من أحبوا.في جدة، التقيت «نورة» الصغيرة، ابنة أخي سلطان والتي وُلدت بعد وفاتها -يرحمها الله- وتأملتها طويلاً. كان في ملامحها شيء منكِ أبعد من تطابق الاسم؛ تلك النظرة الوادعة، والهدوء الذي يعيد إلى ذاكرتي وجهكِ الطاهر، وتفاصيل صغيرة لا يمكن تفسيرها بالكلمات، أيقنت حينها أن الحياة أحياناً تمنحنا إشاراتها الخاصة كي تخبرنا أن أعظم ما نملك ومن نحب سيظل معنا بشكل دائم.وأنا أراها، شعرت بأن الموت، على قسوته، ليس له الكلمة الأخيرة. ففي اللحظة التي يغيب فيها أغلى من أحببنا، تبدأ حياة مستلهمة من تلك الروح العظيمة وتتجسّد في حفيدة تحمل ملامح جدتها، وتلك القيم التي غرستها فينا على مر الأيام أراها بعد سنوات وقد أصبحت سلوكاً ونجاحاً ومحبةً تجمع العائلة بأسرها.بعد عام من الغياب الذي هو أشبه بالحضور الدائم لم يعد السؤال: كم أفتقدكِ بل عن حجم ما تركتِه لنا من إرث كبير نستمد منه إشراقاً لحياتنا.أدركت أن الوفاء الحقيقي تجاه من نحب ليس أن نبقى أسرى للحزن، بل أن نعيش بالطريقة التي كانت ستسعدك؛ أن يكون أبناؤك وبناتك متماسكين، ناجحين، متفوقين، محبين لبعضهم ولوطنهم، وأن يكبر أحفادك وهم يحملون شيئاً من قيمك قبل ملامحك.ربما هذه هي إحدى أسرار الحياة: أن الإنسان لا يغيب حين يرحل، بل يبقى ما غرسه من بذور على مدى الأيام عبر كلمات منحت الأمل، وأخلاق أورثت محبة تسع الجميع، والدعاء الذي لا ينقطع بأن تكون جنان الخلد مستقرك.يا أمي، مر عام، والحزن لم يغب، لكنه تحوّل إلى امتنان.. وحين رأيت نورة، شعرت للحظة أنك قريبة جداً.رحلتِ لكن شيئاً منك ما زال يولد بيننا كل يوم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد