قبل نحو عقد من الزمان، أسست رؤية المملكة 2030 لنهج جديد، يدعم الاقتصاد الوطني، ويقوي من مكانة مؤسسات الدولة، يعتمد هذا المبدأ على تعزيز الجانب الاستثماري في كل مشاريع الدولة وبرامجها مبادراتها، بما يضمن إيجاد دخل مستدام لهذه المشاريع والبرامج، وهذا كفيل بالمحافظة على استمراريتها قويةً وجاذبة، دون ارباك أو تراجع، وهو ما رأيناه في كل مشروع أو برنامج تعلن عن الدولة، في خطوة حظيت بإشادة الجميع، الذين أكدوا أن هذا النهج من شأنه رسم ملامح اقتصاد وطني قوي، لا يعتمد على دعم الدولة، بقدر اعتماده على الأفكار الاستثمارية التي تجلب له الدخل المتنامي.
هذا النهج لم يقتصر على القطاعات الاقتصادية، مثل السفر والسياحة، وإنما طال أيضاً مشاريع الثقافة والرياضة، وصولاً إلى الموروث التاريخي، متجسداً، ومنه على سبيل المثال منظومة الصقور، التي رأت الدولة أهمية أن تعتمد على أفكار تنمي استثماراتها، وتزيد من دخلها، فكان القرار بتحويل هذا الموروث إلى مشاريع اقتصادية متكاملة، قادرة على جذب الاستثمارات، وتنظيم المناسبات ذات الطابع الاستثماري، وهو ما تبناه المركز الوطني للصقور، يعاونه في هذه المهمة معرض الصقور والصيد السعودي الدولي، إذ تحالفا في الكثير من الأفكار، بهدف تنمية الأنشطة الاقتصادية غير النفطية، والوصول بها إلى أبعد نقطة من النمو والازدهار.
بالتأكيد، لم يكن تحويل مجال الصقور، وهو موروث ثقافي، نقله إلينا الآباء والأجداد، إلى مشاريع اقتصادية، بالقرار السهل، فالأمر احتاج إلى أفكار من خارج الصندوق، وإلى ابتكار مبادرات نوعية، جعلت هذا الموروث ذات جاذبية استثمارية، عبر التوسع في مسار الاستثمار داخل منظومة الصقور السعودية، مع تنامي الدعم المؤسسي الذي يقدمه المركز الوطني للصقور، وتنويع المنافسات، والاهتمام بمزارع الإنتاج، وهو ما أثمر عن ارتفاع الطلب على الصقور، بما يفتح المجال أمام المستثمرين للدخول في مجال يجمع الموروث الثقافي، والفرص الاقتصادية الواعدة، القابلة للنمو من خلال تنظيم السوق، وتمكين المستثمرين والمنشآت، واستقطاب العلامات الدولية، وتنشيط السياحة والضيافة، وخلق إنفاق اقتصادي مباشر وغير مباشر.
ولعل ما يقدمه المركز الوطني للصقور من دعم وتنظيم، إلى جانب ربط الإنتاج بالمنافسات، أسهم في تعزيز جاذبية منظومة الصقور استثماريًا، وتجلى ذلك في إجراءات وتفاصيل كثيرة، تخص منافسات الصقور، منها على سبيل المثال الدعم الذي يقدمه المركز، وقرار تخصيص أشواط الفروخ في مسابقات الملواح لمشتريات المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور، الأمر الذي عزز قيمة الإنتاج وربطه مباشرة بالميادين.
وضمن مسارات الاستثمار في مجال الصقور، تأسيس مزارع دولية ومحلية للصقور، وهو ما يساعد على تحويل الإنتاج المحلي إلى العالمية، رغم أن السوق الأقوى للصقور موجود داخل المملكة، في إشارة إلى الجودة تتجلى في الاستثمار بالمملكة وليس خارجها، ومثل هذه الاستثمارات قابلة للنمو والازدهار، فضلاً عن القدرة على استعادة رأس المال في مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات بحسب العرف الاستثماري عالمياً، بينما في المملكة، يستطيع المستثمر بالقطاع أن يستعيد رأس المال خلال أقل من عام، ليس لسبب، سوى أن الدولة تهتم بهذا القطاع، إلى جانب وجود بنية تحتية قوية لإقامة مزارع للصقور بجميع أنوعها، والتنظيم الرائع للمنافسات والمزادات الإقليمية والدولية.
اهتمام المملكة الاستثنائي بالجانب الاستثماري في قطاع الصقور، جعل من المناسبات التي ينظمها المركز الوطني للصقور، محل اهتمام المتابعين في الداخل والخارج، مثال ذلك، معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026، الذي من المقرر انطلاقه بالعاصمة الرياض أول أكتوبر المقبل، هذا المعرض سيكون حدثاً مهماً، يجمع الموروث والمغامرة والترفيه والأعمال، ويستقطب مشاركين وزوارًا من المملكة وبقية دول الخليج، إلى جانب مختلف دول العالم، وتكمن أهمية المعرض أنه من أضخم الفعاليات المتخصصة في الصقارة والصيد على مستوى العالم، ويقدم برنامجًا واسعًا من الفعاليات والتجارب الموجهة لمختلف الفئات والاهتمامات، هذا المعرض حقق في العام الماضي (2025) مبيعات تجاوزت 91 مليون ريال، بعدما شارك فيه أكثر من 1400 عارض وعلامة تجارية، وسوف تزداد المساحات المستغلة في نسخة العام 2026 بنحو 30 ألف متر مربع، مقارنة بالعام السابق، بما يعكس نمو الحدث جماهيريًا وتجاريًا وتوسع نطاق التجارب التي يقدمها.
ما سبق، يدفعنا إلى التأكيد على حيوية منظومة الصقور في المملكة، وقدرتها على تحويل فعالياته المتخصصة، من فعاليات موسمية، كانت تنطلق مرة في العام، إلى أنشطة مستدامة على مدار العام، تسهم في تنويع الاقتصاد الوطني، تحقيقاً لتطلعات رؤية المملكة 2030، بتنويع مصادر الدخل من قطاعات مختلفة، بعيداً عن دخل النفط، وهو ما نراه اليوم، وتؤكده الأرقام والإحصاءات المحلية والدولية.

