: آخر تحديث

سيناريو «الخراب الكبير»

4
3
2

مَن نصدق، إذا كان الشخص نفسه الذي يَعِدنا بـ«الفردوس المفقود» بفضل تطور الذكاء الاصطناعي يعود بعد أيام ليخبرنا أن «الخراب الكبير» سيحل بالبشرية في غضون أشهر أو سنوات، من دون أن يرف له جفن؟

ليس إيلون ماسك وحده من يفعل ذلك، جبابرة التكنولوجيا جميعهم يستخدمون سياسة العصا والجزرة، لأنهم وحدهم من يمتلكون الأزرار التي نعجز عن فهم هدفهم النهائي من تحريكها. يحدّثنا ماسك متباهياً عن حياة، لا تعب فيها ولا وظائف ولا عرق جبين، رخاء وممارسة للهوايات المفضلة، وبعد أيام يطالب بإبطاء الذكاء الاصطناعي الخطر على مستقبل الناس.

داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك» صاحب الرسالة المفتوحة الشهيرة، التي نشرها قبل أيام محذراً من أنه في غضون سنة أو نصفها فقط، قد يسيطر الذكاء الاصطناعي على الإنترنت بأكمله، يتحكم به، ويتسبب بخسائر تصل إلى مئات مليارات الدولارات.

صاحب الضمير الذي استفاق فجأة كان قد أطلق وعوده الوردية أيضاً، قبل أن ينذرنا بأننا بالأدوات نفسها التي يعمل بها ويطورها «سنموت جميعاً». سلسلة الاستقالات والتخلي عن الرواتب بالملايين من الشركات الكبرى لا تعني بالضرورة أن كل هؤلاء استيقظت محبتهم للقيم فجأة، بل يعني أن اللعبة تكبر وبات لها أبعاد ومصالح متشابكة، إلى حد يصعب معه فهم من يملك السلطة والمفاتيح الأساسية.

عملياً ما يطالب به كل هؤلاء الذين استيقظوا من سبات، هو «إبطاء» التحديثات الذكية. وهو مصطلح غامض ومطاط، آلية تنفيذه أكثر غموضاً. فما الجهة التي يمكن أن تعطى لها صلاحية التدقيق داخل شركات عملاقة نفوذها أخطبوطي، بحيث تقرر عنها ما تفعله، وما يجب أن تكفّ عنه. وكيف لهذه الشركات أن تطيع هيئة تفتيش مسكينة ومكبلة؟ وإذا افترضنا أننا وجدنا الجهات الرقابية، فهل القرار السياسي مؤمَّن، ونحن نرى الصين لا تنسّق مع أميركا، ولا مصلحة لها في الكشف عن اختراعاتها، بل كل منهما تخبئ للأخرى المفاجآت القاتلة. الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفض بشكل قاطع التمهل في السباق، لأنه يعد كل اختراق تكنولوجي صيني هو كارثة على بلاده.

قال أمودي نفسه الذي بشَّرنا بالموت الجماعي: «إذا تباطأنا أكثر من هذا القدر، فإن المشاريع المرتبطة بالحزب الشيوعي الصيني، ستتقدم، مما يُشكل خطراً جسيماً على الأمن القومي».

ثم هناك عقبات قانونية، وكذلك جيوسياسية، إذ إن إجراءات «الإبطاء» لا يمكن أن تتم من دون تنسيق وثيق بين العملاقين اللذين يقودان هذه الصناعة.

لهذا يمكن اعتبار الرسائل المفتوحة الرنانة، والاستقالات المتوالية، أقرب إلى تسويق مواقف أخلاقية في عالم يحكمه الدولار وتقبض عليه أسهم البورصة، حيث لا مكان للفكر، ولا وقت للإنسانية.

هذا لا يعني انعدام وجود من يساورهم القلق في الشركات التكنولوجية، أو يلغي حقيقة المخاطر الداهمة، وهي أصلاً جاثمة وتستحق أن تؤخذ في الاعتبار. لكن ما يعني الحكومات، هو كيف تتحرك أسهم كل شركة في البورصة، بعد التصريحات، ومدى رغبة أصحاب رؤوس الأموال في زيادة استثماراتهم، وكيف يمكن لأصحاب النفوذ أن يبقوا في مقاعدهم؟

لهذا لا تؤخذ إعلانات التحذير بمعناها البسيط المباشر. هناك من يعدها دعوة للإبقاء على المصادر مغلقةً، وهو ما تنادي به «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، مما يمنع الشركات الصغرى من إيجاد موطئ قدم لها، ويُبقي السطوة في أيدي الشركات المعروفة اليوم. كما أن هذه الشركات ترى، على عكس الشركات الصينية و«ميتا» و«إنفيديا»، أن مصادرها يجب أن تبقى محمية لتمنع استفادة الإرهابيين والمجرمين منها. وهو أمر يصعب الدفاع عنه. لكن الأقرب إلى المنطق أنها تريد الحفاظ على مبيعاتها من دون أن تسمح بإيجاد منافسين، كما أنها تبقى قادرة على إحكام قبضتها ومراقبة مشتركيها من كثب.

كل الاحتمالات ممكنة، وراء التحذيرات المخيفة التي تطلقها جماعة الذكاء الاصطناعي منذ عام 2023 ثم يعودون ويلطفونها بوعود معسولة.

وفي عالم محكوم بالفوضى، حيث الحكومات لا يعنيها سوى السلطة وضبط حركة مواطنيها، والشعوب مشغولة بأكل العيش، والمستثمرون بجني المال السريع، فإن كل ما يُحكى عن تجارب تطور ذاتي قد تخرج في أي لحظة عن السيطرة وتؤذي من دون رادع، هي أمور منطقية وممكنة. لكن ما هو واضح أيضاً أننا في مرحلة من التفلت بحيث يمكن لشركات لها من الجبروت والمال والسطوة أن تفعل أي شيء من دون أن يحاكمها أحد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد