: آخر تحديث

إصلاحات منتظرة للسوق المالية 3-3

4
3
3

كما تحتل مسؤولية مدير الاكتتاب موقعاً محورياً ضمن الإصلاحات المقترحة، وذلك من خلال إخضاعه للمساءلة عن أي مبالغة جوهرية في تقييم الشركة أو تسعير الطرح، أو إغفال معلومات مؤثرة تنكشف لاحقاً، مثل التعاملات مع الأطراف ذات العلاقة، وآليات تقييم الأصول، ولا سيما العقارات. ويهدف ذلك إلى الارتقاء بدوره من مجرد ترتيب الطرح وتسويقه إلى تحمّل مسؤولية مهنية واضحة عن سلامة إجراءات الفحص المالي والنافي للجهالة، ودقة المعلومات وجودتها، ومعقولية ومنطقية الافتراضات التي بُني عليها التقييم؛ بما يعزّز شفافية الطروحات ويحمي المستثمرين، ويمكّنهم من اتخاذ قرارات اكتتاب أكثر وعياً واستنارة.

غير أن تحديد هذه المسؤولية يحتاج إلى ضوابط قانونية وفنية دقيقة تميز بين المبالغة الناتجة عن الإهمال أو التضليل، وبين الاختلاف الطبيعي في التقديرات أو التغيرات اللاحقة في ظروف السوق وأداء الشركة. فالتقييم المالي ليس رقماً قطعياً، وإنما نتيجة افتراضات وتوقعات قد تتغير؛ ولذلك ينبغي أن ترتبط المسؤولية بسلامة المنهج والإفصاح عن المعلومات والافتراضات، لا بمجرد انخفاض سعر السهم بعد الإدراج.

وفي هذا الإطار، تبرز المطالبة بإلزام الشركة ومدير الاكتتاب بتوضيح منهجيات التقييم المستخدمة، والافتراضات الرئيسة التي استند إليها كل نموذج، ومبررات تحديد السعر النهائي للطرح. ويتضمن ذلك الإفصاح عن توقعات الإيرادات وهوامش الربح ومعدلات النمو والتدفقات النقدية وتكلفة رأس المال، إلى جانب بيان الشركات المماثلة التي استُخدمت في المقارنة وأسباب اختيارها.

كما تشمل المقترحات توضيح مخاطر التقييمات المرتفعة في نشرة الإصدار، وتقديم مبررات تفصيلية عندما يتجاوز مضاعف ربحية الشركة متوسط القطاع بفارق كبير. فارتفاع المضاعف قد يكون مبرراً إذا كانت الشركة تحقق نمواً أعلى أو تتمتع بميزة تنافسية واضحة، لكنه قد يتحول إلى مصدر خطر عندما يستند إلى توقعات متفائلة لا تدعمها نتائج التشغيل أو التدفقات النقدية.

ومن الإصلاحات المطروحة كذلك إتاحة بيانات تقارن بوضوح بين التكلفة التاريخية لأسهم المؤسسين وسعر الطرح للجمهور، بما يكشف مقدار الزيادة في قيمة السهم خلال الفترة السابقة للإدراج. ولا تعني الفجوة بين السعرين بالضرورة وجود مبالغة، إذ قد تكون الشركة قد حققت نمواً وتوسعاً رفعا قيمتها، لكن الإفصاح عنها يساعد المستثمر في تقييم حجم المكاسب التي يحققها المؤسسون ومدى اتساق سعر الطرح مع التطور الفعلي في أعمال الشركة.

ومن شأن هذه الإفصاحات أن تنقل نشرة الإصدار من وثيقة طويلة يغلب عليها الطابع الشكلي إلى أداة فعلية تساعد المستثمر على فهم منطق التقييم ومصادر المخاطرة. ويمكن تعزيز ذلك بإضافة ملخص واضح ومباشر يعرض أهم افتراضات التقييم، والعوامل التي قد تؤدي إلى اختلاف النتائج الفعلية عن التوقعات، ومدى حساسية القيمة المقدرة لأي تغير في الإيرادات أو الأرباح أو تكلفة التمويل.

وفي الختام، لا يمكن تجاهل ما أصاب السوق خلال الفترة الماضية من تراجع حاد في أسعار عدد من الطروحات الأولية، وتآكل رؤوس أموال بعض الشركات، وتراكم خسائر شركات أخرى إلى مستويات أخضعتها لإجراءات نظامية مشددة قد تنتهي بإلغاء إدراجها إذا تعذر تصحيح أوضاعها. كما يبرز مقترح استحداث مؤشر للشركات التي تعاني من خسائر متراكمة بحيث يُظهر بصورة واضحة ومبسطة مستوى المخاطر المالية التي تواجهها الشركة، باعتبارها خطوة أو مرحلة تستدعي مزيدًا من الانتباه والمتابعة من جانب المستثمرين، مع إلزام الشركة بإبراز موقفها المالي والإجراءات التي تتخذها لمعالجة الخسائر بصورة أكثر وضوحًا. ولا يعني تصنيف الشركة عند هذا المستوى أنها ستُستبعد تلقائيًا من السوق أو يُلغى إدراج أسهمها، وإنما يكون المؤشر أداة إنذار مبكر تساعد المستثمر على إدراك ارتفاع مستوى المخاطر قبل أن تصل الشركة إلى مراحل أكثر حدة. فالهدف من هذا الاقتراح ليس معاقبة الشركة لمجرد تعرضها للخسائر، وإنما إعطاء المستثمر جرس إنذار واضحًا في الوقت المناسب، وعدم الانتظار حتى تتحول الخسائر من مشكلة قابلة للعلاج إلى أزمة يصعب احتواؤها.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة ضبط المعادلة؛ بحيث لا تُقاس قوة السوق بعدد الطروحات فقط، بل بجودة الشركات المدرجة، وعدالة تقييماتها، وقدرتها على النمو والاستمرار بعد الإدراج. كما ينبغي ألا يكون نجاح الاكتتاب مرهوناً بحجم التغطية أو الارتفاع المؤقت في الجلسات الأولى، وإنما بقدرة الشركة على المحافظة على قيمتها، وتحقيق نتائج تشغيلية تتسق مع الوعود والافتراضات التي بُني عليها سعر الطرح.

وربما سيتمكن مازن السديري، بما يمتلكه من خبرة تحليلية ومهنية ومعرفة بتفاصيل السوق، من قلب هذه المعادلة لمصلحة السوق ومستثمريه؛ عبر الانتقال من التوسع العددي إلى الإدراج النوعي، ومن التسعير الذي تقوده توقعات التسويق إلى التقييم الذي تسنده الحقائق، ومن معالجة النتائج بعد وقوع الضرر إلى الوقاية منه قبل الطرح. غير أن نجاح هذه المهمة لن يعتمد على الخبرة وحدها، بل على تحويلها إلى قواعد واضحة، ورقابة فاعلة، ومساءلة مهنية، وقرارات تتسم بالشفافية والاتساق.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد