: آخر تحديث

من انتخابات التأسيس إلى انتخابات إسرائيل الكبرى

2
1
1

تفسر الانتخابات الإسرائيلية التطورات السياسية والتحولات في بنية القوة والنظام السياسي، وتفسر أيضًا مستقبل هذا النظام. فقد شهدت إسرائيل منذ تأسيسها عام 1948 خمسة وعشرين انتخابًا للكنيست الإسرائيلي باعتباره السلطة التشريعية، والذي تكمن فيه قوة النظام السياسي، فمن يسيطر على الكنيست يسيطر على الحكومة والقرار السياسي.

وهذا لأن النظام السياسي فيها نظام برلماني ويحكمه مبدأ التمثيل النسبي، وتُعامل إسرائيل على أنها دائرة انتخابية واحدة، بنسبة حسم 3.25، وهذا النظام هو الذي يفسر ظاهرة عدم الاستقرار السياسي والتغير في الائتلافات الحكومية وكثرة الانتخابات المبكرة.

والملاحظ هنا أن ثماني حكومات فقط اكتملت مدتها التشريعية، مقابل 18 حالة تم فيها حل الكنيست وإجراء انتخابات مبكرة. وليس من بينها الكنيست الحالي الذي أكمل مدته القانونية.

وهذه الانتخابات مرت بمحطات سياسية مفصلية في تاريخ إسرائيل: الأولى انتخابات التأسيس عام 1949 بقيادة حزب العمال وبقيادة بن غوريون المؤسس الأول، وهذه المرحلة شهدت حرب 1948 وتوسع إسرائيل وتجاوز قرار التقسيم الأممي 181، وحرب 1956 وحرب 1967 والسيطرة على كل الجولان وسيناء واحتلال كل الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة. وهو ما يعني سقوط قرار التقسيم.

والمحطة الثانية المفصلية انتخابات 1977 وسيطرة الليكود على الحكم وصعود اليمين وتراجع قوة الأحزاب اليسارية والعمل، والمحطة الثالثة المفصلية انتخابات 2019 وسيطرة الليكود بزعامة نتنياهو، وانتخابات 2022 التي بموجبها تشكلت أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفًا وعنصرية وتشدّدًا، وضمت حزب بن غفير وسموتريتش.

وصولًا إلى انتخابات الكنيست السادس والعشرين، وهي المرة الأولى منذ 1988 التي يكمل فيها الكنيست ولايته دون اللجوء إلى انتخابات مبكرة، وهذا مؤشر على الائتلاف اليميني بقيادة الليكود وزعامة نتنياهو، وهو مؤشر مستقبلي يبدو قائمًا في الانتخابات القادمة.

وتصف وسائل الإعلام هذه الانتخابات بأنها الأهم في تاريخ البلاد الحديث، إذ إنها تُعقد بمرور أربعة أعوام على تولي الائتلاف اليميني، وثلاثة أعوام على صدمة 7 تشرين الأول (أكتوبر) التي كانت سببًا في هذه الانتخابات، وقيام إسرائيل بشن وتبني خيار الحرب في أكثر من اتجاه: إيران وسوريا ولبنان، وحرب غزة المستمرة بالرغم من إعلان مجلس السلام واتفاق التهدئة. وهذا محدد آخر في تحديد مسار الانتخابات ونتائجها وتداعياتها.

ومن ناحية أخرى، يُنظر إلى هذه الانتخابات على أنها انتخابات حول زعامة وقيادة نتنياهو الذي يتطلع للفوز بكل الوسائل ليحمي نفسه من محاكمات الفساد، وليتجاوز بن غوريون، والذي يقدم نفسه على أنه لا بديل له، وأنه من يعمل على تأسيس وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى بغلق ملف القضية الفلسطينية ورفض فكرة الدولة الفلسطينية وضم الجولان وتوسيع الخارطة الاستيطانية في كل الأراضي المخصصة للدولة الفلسطينية ودفن اتفاقات السلام.

ومن وجهة نظره، هذه الانتخابات ليست من أجل السلام مع الفلسطينيين الذين يعتبرون وقودًا وثمنًا لهذه الانتخابات، وإنما من أجل فرض مفهوم إسرائيل القوية في المنطقة وتوسيع خارطة التطبيع مع الدول العربية.

وكما يقول: "سأخوض هذه الانتخابات وأنوي الفوز بها". وكما يقول الصحفي عاموس هرئيل، إنه يحاول فصل نفسه عن أي مسؤولية من الإخفاقات ويضخم من إنجازات حكومته. وتفاخر بأنه أعاد جميع الأسرى أحياءً وأمواتًا بعد عملية الطوفان.

ويلجأ إلى جميع الوسائل وتبني كل اللغات بالهجمات والعدوان على خصومه وتبني اللغة المكيافيلية في أن الغاية تبرر الوسيلة، فمن أجل الفوز يلجأ لكل الوسائل من حرب وعدوان على خصومه وعنصرية ورفض للسلام.

وفي الحقيقة، وكما يرى الكثير، إنها انتخابات ليست من أجل نتنياهو، بل هي انتخابات حول مستقبل وشكل الدولة والحكومة التي ستحكم إسرائيل. لذلك هي انتخابات حول مستقبل إسرائيل الدولة ومستقبل الديمقراطية في إسرائيل.

فإسرائيل تشهد اليوم حالة من الاستقطاب السياسي والتفكك على مستوى تكتل نتنياهو والمعارضة، لدرجة ارتفاع القوائم الانتخابية إلى حوالي 38 قائمة، مما يجعل مستقبل أي حكومة في يد الأحزاب الصغيرة ويدخل إسرائيل في دوامة الانتخابات المبكرة التي من شأنها تقويض النظام البرلماني والديمقراطي، وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يواجه مستقبل إسرائيل الدولة.

من هذا المنظور تأتي أهمية انتخابات الـ26 للكنيست، والتي تظهر فيها قوة أحزاب جديدة كحزب أيزنكوت، رئيس الأركان السابق، والذي يقود حزب يشار، والذي أعطته استطلاعات الرأي 23 مقعدًا.

وهذه الانتخابات تطرح قضايا تمس هيكل الدولة وعلاقات مؤسسات السلطة، مثل الإصلاح القضائي الذي تبنته حكومة نتنياهو بهدف تقويض السلطة القضائية، مما أثار احتجاجات كبيرة، وقضية دور المؤسسة العسكرية والشرطة وغلبة النزعة الشخصانية على المؤسساتية التي تعتبر أساس أي نظام ديمقراطي.

وأيضًا، على المستوى الداخلي، انتشار ثقافة الكراهية والعنصرية والتشدد، مما يزيد من عمق مشكلة الاندماج والتكامل التي تعاني منها إسرائيل منذ نشأتها. وزيادة دور المستوطنين وبناء دولتهم على حساب الدولة ذاتها.

وتأتي هذه الانتخابات، كما تؤكد المعارضة، بافتقاد نتنياهو مؤهلات القيادة، وأنه يسعى لضمان مصالحه الخاصة. وتشبه هذه الانتخابات انتخابات 2015 التي فاز فيها نتنياهو مستغلًا الدوافع العنصرية التي تحرك الإسرائيليين، ومخاطبته للناخب الإسرائيلي: "هل تفضلون إسقاطي لتأتي حكومة يسار؟"، وقوله: "استيقظوا أيها الإسرائيليون".

ويبقى أن هذه الانتخابات تسودها لغة التحريض والتهديد بالاغتيالات السياسية، كما قالت النائبة اليسارية في الكنيست لقماه لازيمي، وتحريض كل النواب واتهامهم بأنهم عملاء لحماس، وأنهم أعوان القومية الفلسطينية الإرهابية.

ويختصر الصحفي الأميركي توماس فريدمان أن هذه الانتخابات سيتوقف عليها مستقبل الديمقراطية. انتخابات تُعد لقيام إسرائيل الكبرى على العنصرية والتفوق القومي ورفض السلام وتهجير الفلسطينيين وتبني خيار الحرب والقوة.

ويبقى أن هذه الانتخابات تتجاوز حدودها السياسية لتصل إلى خيار المنطقة بين الحرب والسلام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.