: آخر تحديث

لبنان… حصن إيران المتصدع

3
3
2

لم تكن عبارة هادي دلول، اللبناني المقيم في إيران والمحسوب سياسيًا وإعلاميًا على محور طهران، عن أن جنوب لبنان "هُدم وانتهى" زلة لغوية عابرة، كما حاولت السفارة الإيرانية في بيروت أن توحي عندما سارعت إلى القول إن آراء الأفراد لا تمثل موقف الجمهورية الإسلامية. وعلى الرغم من أن الرجل لا يشغل منصبًا رسميًا، وهذا صحيح، فإنه معروف بدفاعه عن النظام الإيراني وتأييده المعلن لحزب الله؛ لذلك لم يكن الغضب اللبناني بسبب صفته، بل لأن العبارة كشفت، في لحظة واحدة، المسافة بين من يعيش تحت الركام ومن ينظر إلى الجنوب من طاولة حسابات إقليمية.

مصدر الغضب اللبناني لم يكن هوية الرجل وحدها، بل إن الكلام خرج من داخل البيئة السياسية الشيعية المؤيدة لطهران، وهي بيئة اعتادت تقديم الجنوب باعتباره جبهة صمود دائمة، ثم تحدث أحد أبنائها عنه فجأة كأرض استُهلكت وانتهى دورها.

ولا أستغرب شخصيًا سرعة تحرك السفارة، فالدبلوماسية الإيرانية لا تدخل عادة في سجال مع ضيف تلفزيوني إلا عندما تلمس عبارته عصبًا سياسيًا مكشوفًا. فقد كانت طهران تحمي الرواية قبل أن تحمي صاحبها، لأنها تحتاج إلى صورة جنوب يقاوم تحت مظلة حزب الله وتسانده إيران، وانهيار هذه الصورة يضرب شرعية نفوذ بُني خلال أربعة عقود على وعد الحماية والصمود.

وإلا، فلماذا استدعى رأي فرد لا يمثل الدولة بيانًا رسميًا من سفارتها؟ العبارة تجاوزت صاحبها لأنها أظهرت أن الجبهة التي قُدمت طويلًا باعتبارها مقدسة يمكن أن تصبح، عند تغير الحسابات، خسارة واقعة وورقة استُهلكت.

والحقيقة أن لهذه الحساسية أصلًا عقائديًا واضحًا، فالرسالة المفتوحة لحزب الله عام 1985 عرّفت أتباعه بأنهم جزء من أمة يقودها الخميني، وربطت سلوكهم بالرؤية السياسية للولي الفقيه. ودخول الحزب إلى البرلمان والحكومة غطى هذا الأصل بلغة لبنانية أكثر مرونة، حتى أصبحت المطالبة باحتكار الدولة للسلاح تُعرض كأنها عداء للمقاومة، وأصبح اعتراض الحكومة على قرار الحرب موضع اتهام. وهكذا حُصر لبنان في معادلة قاسية: دولة تدير شؤون الناس اليومية، وتنظيم مسلح يحتفظ لنفسه بحق تقرير المصير العسكري للبلد.

ولا أعتقد شخصيًا أن الحديث عن حق تاريخي إيراني في لبنان يفسر طبيعة هذا المشروع الخبيث بدقة، لأن طهران الماكرة لا تحتاج إلى ادعاء حق تاريخي في لبنان أو إلى ضمه كي تعتبره جزءًا من مجالها، لأن النفوذ الذي أقامته أكثر فائدة وأقل كلفة من الاحتلال التقليدي؛ فهي لا تتحمل مسؤولية الاقتصاد والإعمار، لكنها تحتفظ، عبر حزب الله، بأداة عسكرية تؤثر في الحرب والسلم والحدود.

وفي هذا التصور، تصبح الحكومة اللبنانية أقرب إلى حكومة تسيير أعمال، تتولى شؤون الناس، وتتوقف قدرتها عند السلاح. وعندما تبدأ المساومة، تدخل هذه الأداة في الحساب الإيراني، بينما يُطلب من اللبنانيين التعامل مع آثارها كأنها قدر محلي صنعوه وحدهم. الواضح أن هذه ليست سيادة ناقصة بالمصادفة، بل صيغة تتيح لإيران ردع إسرائيل ومساومة واشنطن من أرض لبنان، من دون أن تتحمل التبعات التي تتحملها الدولة صاحبة القرار.

ولقد تكرر النموذج بأشكال مختلفة؛ ففي سوريا بدأت التعبئة بعنوان حماية المقامات الشيعية المقدسة، ثم اتسعت إلى الدفاع عن نظام الأسد وحماية الممر إلى لبنان. أما في العراق واليمن، فقد نشأت الجماعات في بيئات محلية مختلفة، وتلقت بدرجات متفاوتة سلاحًا وخبرة من إيران، ثم نافست مؤسسات الدولة أو دخل بعضها فيها، وهي تحتفظ بقوة مسلحة مستقلة.

بالتأكيد، لا تحتاج طهران إلى نسخة مطابقة من حزب الله في كل ساحة، ويكفيها شريك محلي يستطيع تعطيل القرار حين يتعارض مع مصالحها. ولهذا اختلف مقدار النفوذ وحدود الطاعة من بلد إلى آخر، وبقيت الوظيفة واحدة.

من يتابع الأحداث يدرك أن حزب الله أنجح هذه الأدوات، فهو تنظيم لبناني ذو قاعدة اجتماعية ومؤسسات وخبرة عسكرية، وقد جعلته هذه الخصائص أثمن أصول إيران الإقليمية، لكنها جعلت الضربات الأخيرة أشد إيلامًا أيضًا، إذ بدد انتقام إسرائيل واغتيال القيادات واستنزاف المخازن والدمار الواسع في البيئة الجنوبية جانبًا مهمًا من صورة الردع. بالطبع، تستطيع إيران تعويض بعض السلاح والمال، أما إعادة إنتاج القيادة والثقة وإقناع الجمهور الشيعي اللبناني بأن الحزب يحميه فعلًا، فتحتاج إلى زمن لا تمنحه الحرب بسهولة.

ولم يطل الوقت قبل أن يظهر لهذا التراجع امتحان ميداني واضح، فجبل علي الطاهر لم يكن مجرد مرتفع استراتيجي، بل موقعًا عسكريًا مهمًا لحزب الله يضم منشآت وأنفاقًا. وقد حذرت طهران من رد واسع إذا هاجمته إسرائيل، وسط معلومات غير محسومة عن وجود ضباط من الحرس الثوري داخله. ولكن الدلالة الأهم لا تتوقف على إثبات وجودهم؛ فإيران هددت بالحرب دفاعًا عن موقع داخل لبنان، بينما غابت بيروت عن التهديد وعن تحديد الرد وثمنه، وهذا وحده يكشف أين كان القرار الحقيقي مستقرًا.

من جانبها، تحدت دولة إسرائيل تهديد إيران ومضت في عمليتها، وأعلن جيشها، مساء الثالث من سبتمبر، أنه حقق "سيطرة عملياتية" على المرتفع، ثم قال وزير الدفاع في اليوم التالي إن الأنفاق في جبل علي الطاهر "طُهرت"، وإن بعض مقاتلي حزب الله قُتلوا وفر آخرون. وقد أكد ضابط عسكري لبناني أن القوات الإسرائيلية سيطرت على المداخل الجنوبية، واستطاعت مراقبة المداخل الشمالية بواسطة مسيّرات، مع بقاء مدى توغلها داخل الشبكة غير واضح، وعدم تمكن رويترز من التحقق بصورة مستقلة من وضع المرتفع.

كما أرى الوضع، أرجح أن طهران قرأت ميزان الكلفة واختارت ابتلاع الإهانة، لأن تنفيذ تهديدها كان سيفتح عليها مواجهة أوسع مع دولة إسرائيل في لحظة أُنهكت فيها أذرعها، وتعرض عمقها لاختراقات وضربات متلاحقة. والخط الأحمر الذي أعلنته طهران لم يوقف خصمها. لقد كان الامتناع عقلانيًا من زاوية بقاء النظام الإيراني، لكنه فادح بالنسبة إلى شبكة بنت نفوذها على وعد بأن إيران لا تترك حلفاءها. فالخصم العنيد اختبر التهديد ولم يتراجع، والبيانات اللاحقة لم تغير ما كُتب على الأرض.

عبارة "الجنوب انتهى" وما جرى في جبل علي الطاهر ينتميان إلى قصة واحدة؛ الأولى كشفت نظرة خرجت من داخل البيئة الشيعية المؤيدة لطهران إلى أرض دفعت ثمن مشروعها، والثاني كشف حدود القدرة الإيرانية المتدهورة على حماية ذلك المشروع الشيطاني عندما ارتفعت كلفته. بالتأكيد، حزب الله لم ينته، وإيران ما زالت تملك شبكات نفوذ عميقة في لبنان، لكن الهيبة أُصيبت، والذريعة القديمة أصبحت أضعف، وأي حديث عن انتصار "إلهي" وهمي يتجاهل هذه الحقيقة ليس تحليلًا، بل دعاية لإخفاء الخسارة.

والحقيقة أن استعادة السيادة في لبنان تبدأ يوم يصبح قرار الحرب والسلم في بيروت وحدها، وحتى يحدث ذلك سيبقى اللبنانيون الشيعة يحرسون حصن إيران بأرواحهم، ويدفع بقية اللبنانيين فاتورة ذلك، بينما تملك طهران وحدها حق تقرير متى تدفعهم للحرب ومتى تتركهم وحدهم بين الخراب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.