رغم المكانة الثقافية والتاريخية الكبيرة لفرنسا، وحضورها العالمي في السينما والفنون والأدب والموسيقى، لفتني هذا الأسبوع حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن ضرورة مساهمة منصات عالمية مثل (يوتيوب) في تمويل المحتوى المحلي، فإذا كانت فرنسا بكل هذا الإرث الثقافي ترى أن حماية محتواها وتطويره تستحق موقفاً بهذا الوضوح، فإن المسألة بالتأكيد أكبر من مجرد منصة للترفيه والمشاهدة.
المحتوى اليوم صناعة واقتصاد ووظائف، والأهم أنه تأثير ثقافي يمتد إلى اللغة والصورة والموسيقى والفنون وتفاصيل الحياة اليومية، ولذلك لم تعد بعض الدول تكتفي بأن تكون سوقاً مفتوحة للمنصات العالمية، كندا مثلاً ألزمت خدمات بث رقمية معينة بالمساهمة بنسبة من إيراداتها الكندية لدعم منظومة البث والمحتوى المحلي!
على المستوى المحلي نجد أن منصة (نتفليكس) لم تتجاهل المحتوى السعودي، فقد قدمت وعرضت خلال السنوات الماضية عدداً من الأعمال والتجارب السعودية، ودخلت في شراكات مع شركات إنتاج محلية، ووصلت عبرها أعمال سعودية إلى جمهور خارج المملكة.
ومع ذلك أرى أن تعامل نتفليكس مع المحتوى السعودي ما زال خجولاً قياساً بحجم السوق والتحولات الثقافية والفنية والترفيهية التي نعيشها، وبالدعم الكبير الذي تحظى به صناعة السينما والمحتوى لدينا!
صحيح ان التجربة موجودة، لكنها لم تتحول بعد إلى حضور سعودي مستمر ومتنوع، كما شاهدنا مثلاً مع المحتوى الكوري والإسباني الذي استطاع عبر المنصات تجاوز اللغة والجغرافيا والتحول إلى تأثير ثقافي عالمي.
أما (يوتيوب) فتجربته معنا مختلفة وأكثر اتساعاً، فقد ساهم في ظهور جيل كامل من صناع المحتوى السعوديين الذين بنوا جماهيرهم بأنفسهم، وبعضهم تحول من فرد أمام الكاميرا إلى مشروع إعلامي وتجاري، كما ليوتيوب برامج للشراكة وتقاسم العوائد والتدريب، وهي تجربة تستحق البناء عليها وتطويرها.
لكن الطموح اليوم أكبر من ملايين المشاهدات، كوننا نريد صناعة تحول هذه الجماهير والمواهب إلى محتوى إعلامي وثقافي وفني مستدام وقابل للوصول إلى العالم، وهنا اعتقد ان (نتفليكس و يوتيوب) بأمكانهما أن يكونا شريكين أكبر في تطوير المواهب والكتاب والإنتاج والتسويق بالسعودية اكثر من الواقي الحالي.
وبهذا السياق الهام والحيوي سبق أن كتبت هنا عن ضعف بعض إنتاجنا الدرامي رغم الإمكانات الكبيرة، لان المطالبة بدعم المنصات لا تعفينا من مسؤولية الجودة، كوننا نحتاج محتوى يشبه السعودية ويحمل تنوعها وثقافتها وتحولاتها.
لذلك نعول كثيراً بالاستفادة من المنصات الكبرى التي نجحت في إيصال العالم لنا، وحان الوقت للاستفادة من قوتها في الاتجاه الآخر، بأن وسيلة هامة للتعريف بالمحتوى السعودي للعالم، وأن يصبح هذه المنصات في سوقنا جزءاً من صناعة تأثيرنا الثقافي.

