: آخر تحديث

الحقيقة كانت موجودة لكنها لم تكن حاضرة

4
3
3

في بداية العام سألني ابني سؤالًا غريبًا:

"ماما، هل أنتِ أكيدة بأنك أول سيدة تقدم نشرة الأخبار تلفزيونيًا في تاريخ المملكة؟"

السؤال لم يكن تشكيكًا، بقدر ما هو انعكاس لعصر لا يعترف بما هو محفوظ في الأدراج، بل بما هو حاضر وقابل للوصول والتحقق على شاشات هواتفهم الذكية.

لم تكن مجرد عبارة تُقال، بل لحظة إدراك كاملة.

نحن في عصر لا يكتفي بالرواية، بل يبحث عن الدليل بطرق حديثة، ولا يكتفي بالذاكرة، بل يفتش عن الأثر الرقمي لها.

في تلك اللحظة، هرعت إلى ملفات قديمة نامت طويلًا في الأدراج.

شهادات، خطابات، قصاصات صحف، صور، ودروع تكريم علاها غبار السنين.

كنت أبحث عن إجابة لسؤال ابني، لكنني وجدت نفسي أمام سؤال أكبر:

ماذا يحدث للحقائق عندما لا تُوثَّق رقميًا؟

اكتشفت أن جزءًا كبيرًا من مسيرتي المهنية، بل ومن ذاكرة مرحلة كاملة من الإعلام العربي، يكاد يكون غائبًا عن الإنترنت. ليس لأن الأحداث لم تقع، بل لأن معظمها حدث في زمن سبق التحول الرقمي.

كثير من الصحف التي وثقت تلك المحطات لم تكن تملك مواقع إلكترونية وقتها أصلًا، وكثير من أرشيفات أواخر التسعينيات وبدايات الألفية أصبح الوصول إليها اليوم بالغ الصعوبة.

كانت رحلة شاقة، رحلة بحث وتنقيب واستعادة لذاكرة امتدت منذ عقدين من الزمان.

وجدت نفسي مضطرة لتوثيق قصاصات الصحف القديمة واحدة تلو الأخرى، وأراجع التواريخ والأعداد والأسماء، وأعيد جمع أجزاء قصة كنت أظن أنها محفوظة.

وبالموازاة، قرأت وبحثت لأجد إجابة عن تساؤل:

لماذا المواقع الأجنبية أرشيفها عامر وأسهل بكثير من المواقع العربية للوصول إلى المعلومات؟

والنتيجة مفادها أن تفوق الغرب في الأرشفة الرقمية يعود إلى جذور ثقافية ومؤسسية عميقة، حيث سبقت ثقافة الحفظ لديهم عصر الإنترنت عبر مخزون منظم مسبقًا، على عكس الوطن العربي الذي عانى من تشتت وثائقه.

يتعامل الغرب مع الأرشيف كأصل استراتيجي وثروة وطنية تُخصص لها ميزانيات مستدامة لخدمة صناعة المعرفة، مدعومًا باستقرار مؤسساته واستمرار سياساته، في حين شهدت المؤسسات العربية إغلاقات وإعادة هيكلة أهملت هذا الجانب.

كما ساهم الفهم الغربي المبكر لأهمية الروابط الدائمة وقواعد البيانات في ضمان بقاء وثائقهم متاحة لعقود، بينما ركزت كثير من المواقع العربية على النشر اليومي المؤقت دون استشراف للمستقبل.

عمومًا، خلال هذه الرحلة أدركت حقيقة مهمة:

لا شيء يحفظ التجربة الإنسانية من النسيان مثل التوثيق.

فالوقت الذي يغيب فيه حضور الأوراق، نراه يعيد تشكيل الذاكرة نفسها من خلال أدوات العصر الحديثة وآليات عملها!

ذاكرة الإنسان عامل مؤثر أيضًا، فقد تخطر في بالي مشاهد مؤتمر حضرته، أو فندق أقمت فيه، أو وجوه أشخاص كان لهم حضور مهم في مرحلة من حياتي، ثم أكتشف أنني لم أعد أتذكر أين كان ذلك اللقاء، ولا متى حدث، ولا ماهية المناسبة التي جمعتنا.

فالعمر له أحكامه، والذاكرة كذلك.

أمام كل ذلك، بدأت أولًا ببناء حضوري المهني رقميًا، بتعلم أدوات العصر الجديدة، فحصلت على شهادة من Google AI Essentials، وتعاملت مع حسابي الرسمي على منصة لينكد إن باحترافية، ثم جاءت خطوة إنشاء موقعي الرسمي (buthainaalnassr.com) ليس بوصفه موقعًا شخصيًا فحسب، بل بوصفه أرشيفًا مفتوحًا يحفظ ما استطعت جمعه، وينفض الغبار عن وثائق وشهادات وخطابات وتكريمات ومحطات مهنية وإنسانية امتدت عبر عقدين من الزمان.

وإذا كان هناك من درس خرجت به من هذه التجربة، فهو:

وثّقوا، ثم وثّقوا، ثم وثّقوا.

وثّقوا كل شيء.

إنجازاتكم، مشاريعكم، صوركم، مقالاتكم، شهاداتكم، ذكرياتكم، وكل ما تعتقدون أنه سيبقى حاضرًا في أذهانكم إلى الأبد.

فالإنسان ينسى، والأرشيفات تضيع، والمنصات تتغير.

لكن ما يُوثَّق بعناية يملك فرصة أفضل للبقاء.

أيضًا نقطة مهمة جدًا، تذكروا أن التوثيق ليس نقيض التواضع.

هناك فرق شاسع بين "التواضع" وبين "إهمال" توثيق الإنجازات حتى تندثر.

فالتوثيق ليس نوعًا من التباهي، بل هو واجب أخلاقي تجاه الحقيقة، لحفظ الأثر وضمان وصول الأجيال المقبلة إليه.

كنت أظن أن تواضعنا يجعل الآخرين ينسون من نكون، ثم اكتشفت أن المسألة أعمق من ذلك بكثير.

عدم توثيقك لعملك وإنجازاتك وتركها حبيسة الأدراج هو ظلم لنفسك، فكيف تلوم ظلم الآخرين؟

وأيضًا بدلاً من إلقاء اللوم على المؤسسات أو المجتمع لعدم إنصاف التجربة، يجب علينا أولًا المبادرة بحفظ ما لدينا كإرث يسهل الوصول إليه.

فالإنجاز لا يتحدث عن نفسه دائمًا، وتركه في الأدراج والصناديق الورقية يعني الحكم عليه بالضياع والنسيان.

أما هذا الموقع، فهو ببساطة محاولتي المتواضعة لأداء مسؤولية شعرت أنها تأخرت كثيرًا:

مسؤولية حفظ الذاكرة قبل أن تتلاشى.

تعلمت فيها أن ما يبدو اليوم واضحًا وبديهيًا قد يحتاج بعد عشرين عامًا إلى دليل.

ليس موقعًا للاحتفاء بالماضي فحسب، بل محاولة متأخرة ولكن مهمة، لإعطاء الماضي فرصة عادلة كي يبقى حاضرًا.

أكتب إلى الصحفي الذي يحتفظ بمقالاته في صندوق، وإلى الفني الذي يترك شهاداته في درج، وإلى المعلم الذي لا يجمع أثر طلابه، وإلى المصور الذي لا يسجل سرديات ما شهده، وإلى الباحث الذي لا يؤرشف تحديات بحثه، وإلى الفنان الذي لا يحفظ إبداعه.

جميعكم قد تكتشفون يومًا أن ما لم يُوثَّق ربما لن يختفي بالضرورة، ولكنه سيصبح أصعب وصولًا وفهمًا وإثباتًا.

وفي الختام، وبعودة إلى سؤال ابني الحبيب:

أذكركم بتلك اللحظة التي تختصر كل شيء:

"الحقيقة كانت موجودة، لكنها لم تكن حاضرة".

ربما كثيرون سيجدون أنفسهم فيما كتبت، ليس لأنهم قدموا أول نشرة أخبار، أو رُشحوا لجوائز عالمية، بل لأن لدى كل واحد منا درجًا ما، أو صندوقًا ما، أو ملفًا ما، ينام فيه جزء من قصة منسية، واليوم أتمنى أن أكون أعطيت سببًا لفتحه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.