التحدي أمام الدبلوماسية السعودية اليوم ليس الاختيار بين الحرب والسلام، وإنما بناء سلامٍ مسلح بالردع: تفاوض مفتوح، ودولة يمنية أقوى، وتحالف بحري دولي أكثر جدية، ورسالة لا تحتمل التأويل بأن تغيير الخرائط بالقوة لن يتحول إلى مكاسب سياسية دائمة..
أخطر خطأ يمكن ارتكابه في قراءة الحوثي هو النظر إليه بوصفه مشكلة يمنية يمكن احتواؤها داخل حدود اليمن. ما يجري اليوم يقول العكس تماماً. حين تتمدد جماعة مسلحة عقائدية نحو ساحل البحر الأحمر، وتقترب من التحكم بالمخا وجزر تقع عند بوابة باب المندب، فإنها لا تغيّر خريطة اليمن فقط؛ بل تحاول تغيير ميزان القوة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.. وهنا تصبح المسألة سعودية وخليجية ودولية بقدر ما هي يمنية.
على مدى السنوات الماضية اختارت السعودية مساراً بالغ الصعوبة: خفض التصعيد من دون التسليم بشرعية الأمر الواقع، وفتح نافذة سياسية من دون التخلي عن دعم الدولة اليمنية. كان الرهان أن يؤدي الهدوء النسبي إلى نقل الصراع من الميدان إلى طاولة التفاوض. وهذه سياسة مفهومة لدولة تريد حدوداً مستقرة وتنمية اقتصادية إقليمية بدلاً من حرب مفتوحة بلا نهاية.. لكن السياسة لا تُقاس بحسن النيات، بل بسلوك الطرف المقابل.
والسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم في الرياض وواشنطن والعواصم الأوروبية ليس ما إذا كان الحوار مع الحوثي ضرورياً؛ فهو ضروري في نهاية المطاف.. السؤال الأهم هو: ماذا يحدث عندما يفسر الحوثي التهدئة باعتبارها مساحة لإعادة التسليح والتمدد وتحسين شروط المعركة المقبلة؟.. هنا تكمن المعضلة.
الدبلوماسية التي لا تسندها معادلة ردع قابلة للتصديق قد تتحول من وسيلة لإنهاء الحرب إلى آلية لتأجيلها. والحوثي، مثل جماعات مسلحة أخرى، تعلم أن الزمن قد يعمل لمصلحة الطرف الأكثر استعداداً لتحمل الفوضى. الدولة تريد الاستقرار سريعاً؛ أما الميليشيا فتستطيع الانتظار، والمساومة، ثم العودة إلى السلاح متى تغير ميزان القوى.. لهذا لا ينبغي أن يكون الهدف السعودي والدولي "استيعاب الحوثي" بأي ثمن. المطلوب هو تغيير حساباته.
وهذا لا يعني العودة تلقائياً إلى حرب مفتوحة.. بل يعني أولاً إسقاط الوهم القائل إن السلام والردع نقيضان.. في السياسة الدولية، أفضل التسويات هي التي يعرف كل طرف فيها أن تكلفة خرق الاتفاق أعلى من مكاسب تقويضه.
السعودية تمتلك اليوم فرصة لإعادة تعريف سياستها اليمنية على ثلاثة مستويات:
الأول: أن يصبح دعم الدولة اليمنية مشروعاً استراتيجياً لا مجرد إدارة أزمة. فلا يمكن مطالبة حكومة ضعيفة ومؤسسات منقسمة واقتصاد منهك بمواجهة تنظيم راكم السلاح والموارد والخبرة القتالية سنوات طويلة. توحيد المؤسسات والقوى العسكرية المناهضة للحوثي، وتقوية الاقتصاد والخدمات في مناطق الحكومة، ليست ملفات يمنية ثانوية؛ إنها جزء من الردع نفسه.
والثاني هو البحر الأحمر.. لا يجوز أن تتحول حماية باب المندب إلى مسؤولية سعودية منفردة.. أوروبا وآسيا والولايات المتحدة تعتمد على هذا الممر، وأي قدرة دائمة لجماعة مسلحة على تهديده تعني أن العالم قبل عملياً بخصخصة أمن التجارة الدولية لمصلحة ميليشيا.. هنا يجب نقل القضية من مفهوم "الحرب في اليمن" إلى مفهوم أمن الممرات البحرية الدولية.
أما المستوى الثالث، فهو إيران.. من الخطأ تبسيط الحوثي وتصويره مجرد جهاز يتم تشغيله بضغطة زر من طهران؛ فقد أصبح للجماعة مشروعها ومصالحها الخاصة. لكن الخطأ الأكبر هو الذهاب إلى الطرف الآخر وإنكار القيمة الاستراتيجية التي يمثلها الحوثي لإيران. وجود قوة مسلحة صديقة لطهران عند باب المندب يمنح إيران ورقة ضغط لا تقل أهمية عن نفوذها في العراق ولبنان، ويضيف إلى معادلة هرمز ممراً بحرياً آخر يمكن تهديده عند الحاجة.
وهذا هو الدرس الذي كشفته سوريا أيضاً.. سقوط نظام بشار الأسد لم تتوقف تداعياته عند دمشق.. فقد أصاب شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة، وضيّق المجال الجغرافي والسياسي أمام حلفائها، وأكد حقيقة كان ينبغي إدراكها منذ زمن: إضعاف حلقة واحدة في شبكات الميليشيات العابرة للحدود ينعكس على بقية الشبكة.
الأمر نفسه ينطبق على اليمن.. احتواء الحوثي لا يعني خدمة الحكومة اليمنية وحدها، بل تقليص قدرة إيران على إحاطة الخليج بمراكز ضغط مسلح، من العراق شمالاً إلى اليمن جنوباً، ومن هرمز إلى باب المندب.
التحدي أمام الدبلوماسية السعودية اليوم ليس الاختيار بين الحرب والسلام، وإنما بناء سلامٍ مسلح بالردع: تفاوض مفتوح، ودولة يمنية أقوى، وتحالف بحري دولي أكثر جدية، ورسالة لا تحتمل التأويل بأن تغيير الخرائط بالقوة لن يتحول إلى مكاسب سياسية دائمة.
لقد أظهرت تجربة الشرق الأوسط أن الميليشيات تتمدد عندما تشعر أن خصومها يريدون الهدوء أكثر مما تريد هي التسوية.. لذلك، فإن أفضل طريق لمنع حرب جديدة في اليمن قد يبدأ بإقناع الحوثي أن الحرب المقبلة لن تكون طريقاً آمناً إلى مكاسب جديدة.

