: آخر تحديث

أنجز.. ليراك العالم

4
3
3

أعاد "حوار الأمن والتاريخ" -الذي شهدته الرياض مؤخرًا- إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يتجدد كلما تحدثنا عن صورة المملكة في الخارج، ودور الإعلام في تقديمها: من يصنع صورة الدول؟ وهل هي مسؤولية الإعلام الذي يروي القصة، أم الأجهزة الحكومية التي تصنع الأحداث والإنجازات التي تتحول لاحقًا إلى قصة؟

ربما اعتدنا أن نحمّل الإعلام مسؤولية تحسين الصورة وتصحيحها والدفاع عنها لنهرب من واقع الحال، وكأن الصحفي أو القناة أو حملة العلاقات العامة تستطيع أن تصنع لدولة صورة تختلف عن واقعها؛ لكن الحقيقة أن التجربة السعودية خلال السنوات الماضية تقدم إجابة مختلفة؛ فالإعلام يستطيع أن يقدم الصورة ويشرحها ويوسع انتشارها، لكنه لا يستطيع أن يصنع شيئًا غير موجود.. فالتحولات الاقتصادية والسياحية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها المملكة لم تحتج في كل مرة إلى من يقنع العالم بأنها حدثت، لأنها أصبحت في ذاتها محتوى تتلقفه وسائل الإعلام العالمية؛ ملايين الزوار، وفعاليات عالمية، واستثمارات ومشروعات جديدة، وتحولات اجتماعية كبيرة، وحضور ثقافي ورياضي متزايد، ومدن تتغير أمام أعين سكانها وزوارها.

وهنا ربما نحتاج إلى إعادة تعريف المسؤولية عن صناعة الصورة؛ فالأجهزة الحكومية تصنع جانبًا كبيرًا من صورة الدولة قبل أن يصل دور الإعلام أصلًا، وتصنعها من خلال قراراتها وسياساتها وإنجازاتها وطريقة إدارة مؤسساتها.. وزارة السياحة تصنع صورة، والمطار يصنع صورة، والشارع يصنع صورة، والحدث العالمي يصنع صورة، وقرار اقتصادي أو اجتماعي يصنع صورة، وحتى الأمن نفسه يصنع صورة؛ فالزائر لا يحتاج إلى حملة إعلامية تخبره أنه في بلد آمن عندما يعيش ذلك بنفسه، ثم يأتي الإعلام بعد ذلك ليشرح كل هذه الصور ويوسع أثرها.

لكن في المقابل، لا يمكن أن نطالب الإعلام أن يقدم هذه التحولات بكفاءة إذا لم يكن شريكًا فيها من ناحية المعرفة والمعلومة.. فالإعلام الذي لا يملك مساحة يسأل فيها ويبحث ويحقق، ولا يستطيع الوصول إلى المعلومة والمسؤول وصانع القرار، سيتحول -مهما كانت كفاءة العاملين فيه- إلى مجرد ناقل لما يصله من بيانات وتصريحات.. والشراكة هنا لا تعني أن يكون الإعلام جزءًا من القرار أو مبررًا له، وإنما أن يكون قريبًا بما يكفي لفهمه؛ لأنك لا تستطيع أن تطالب الصحفي أن يشرح للناس ما لم تتح له أصلًا فرصة أن يفهمه.

وهذا لا يقلل بالتأكيد من مسؤولية الإعلام؛ فوجود قصة جيدة لا يعني أنها ستصل وحدها إلى الجميع، وهنا يأتي دور الصحفي والإعلامي في تفسير التحولات وربطها ببعضها وتقديمها بلغات وثقافات مختلفة، والرد على المعلومات الخاطئة والصور النمطية، لكن الفارق كبير بين إعلام يملك واقعًا قويًا يقدمه، وإعلام نطالبه أن يصنع صورة جميلة لواقع لا يساعده.. فالدعاية تستطيع أن تشتري إعلانًا ومساحة وعنوانًا، لكنها لا تستطيع أن تشتري تجربة سائح، أو انطباع مستثمر، أو شهادة صحفي جاء وهو يحمل صورة قديمة ثم وجد أمامه واقعًا مختلفًا.

والقاعدة نفسها تعمل في الاتجاه الآخر؛ فالإنجاز يصنع صورة إيجابية، والإخفاق يصنع صورة أيضًا، ولا يستطيع أقوى جهاز إعلامي أن يخفي طويلًا واقعًا يراه الناس بأعينهم.. ولذلك فإن السؤال عن صورة المملكة في الخارج لا ينبغي أن يبدأ دائمًا من الإعلام: ماذا قال؟ وماذا نشر؟ وكيف دافع؟ وإنما من السؤال الأهم: ماذا فعلنا؟

السعودية الجديدة تقدم نفسها اليوم قبل أن يقدمها إعلامها؛ بما يحدث على أرضها، وبمن يأتي إليها ويرى التحولات بنفسه، وبالقرارات والمشروعات والتجارب التي أصبحت أخبارًا تتنافس وسائل الإعلام العالمية على نقلها.. ويبقى دور الإعلام مهمًا في شرح هذه القصة ووضعها في سياقها، لكنه يأتي بعد وجود القصة نفسها.. فالصورة الحقيقية للدول لا يصنعها ما تقوله عن نفسها، وإنما ما تفعله.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد