: آخر تحديث

الرياض والقاهرة .. مسار مشترك

4
4
2

ليست كل الزيارات السياسية سواء. بعضها تحكمه روزنامة العلاقات بين الدول، وبعضها تفرض أهميته اللحظة التي يأتي فيها. وزيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى مصر جاءت في لحظة إقليمية تكتسب معها المباحثات بين الرياض والقاهرة أهمية خاصة؛ فالمنطقة من حول البلدين تتحرك بسرعة، وما كان قبل سنوات ملفًا قابلًا للتأجيل أصبح اليوم جزءًا من حسابات الأمن والاستقرار والمصالح المباشرة.

والواقع أن العلاقة بين المملكة ومصر ظلت دائمًا وأبدًا في مسار ثابت ، مع مساحة واسعة لتعميق التعاون وتوسيع مجالاته، فهي لا تستند إلى تاريخ طويل فحسب، بل إلى مصالح مشتركة وواقع إقليمي يجعل التنسيق بينهما حاجة مستمرة.

وهناك إدراك متجدد لدى البلدين بأن استقرار أحدهما يصب في مصلحة الآخر، وأن ما يجمعهما يتجاوز العلاقات الثنائية إلى مسؤولية أوسع تجاه أمن المنطقة واستقرارها. فالمملكة تدرك مكانة مصر وثقلها العربي، ومصر تدرك ما تمثله المملكة من حضور سياسي واقتصادي ودور مؤثر في محيطها العربي والإسلامي.

وهذا ما يفسر انتقال العلاقة تدريجيًا من قوة الروابط التاريخية إلى ترسيخها في إطار مؤسسي أكثر استدامة. فالعلاقات بين الدول الكبرى لا يكفيها رصيد الماضي، مهما كان كبيرًا؛ بل تحتاج إلى مصالح تتجدد، ومؤسسات تعمل، وقنوات تشاور تبقى مفتوحة كلما أصبحت الملفات أكثر تعقيدًا.

من هنا تكتسب جلسة المباحثات التي عقدها ولي العهد والرئيس عبدالفتاح السيسي أهميتها. فقد تناولت العلاقات الثنائية الاستراتيجية وسبل تطويرها في مختلف المجالات، إلى جانب عدد من القضايا العربية والإسلامية وتطورات الأحداث في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الملفات المرتبطة بأمن المنطقة واستقرارها وأمن وحرية الملاحة البحرية وتنسيق الجهود بشأنها.

وهذه الملفات لا يمكن النظر إليها منفصلة بعضها عن بعض. فلا يمكن فصل أمن البحر الأحمر عن استقرار الدول المطلة عليه، ولا حرية الملاحة عن الاقتصاد والتجارة، ولا الأمن المائي عن الاستقرار، كما لا يمكن عزل العلاقات الثنائية عن المشهد العربي المحيط بها. وكلما ازدادت المنطقة اضطرابًا، ازدادت أهمية التنسيق بين الدول القادرة على الإسهام في حماية الاستقرار وتقليل مساحات التوتر.

وهنا تظهر أهمية التنسيق السعودي المصري. فالبلدان بما يملكانه من ثقل سياسي واقتصادي، وموقع جغرافي مؤثر، يستطيعان الإسهام في دعم استقرار المنطقة والدفاع عن مصالحها، ليس بالشعارات، وإنما باستمرار التشاور والعمل المشترك وبناء المواقف على المصالح والحقائق.

السعودية ومصر تملكان من التاريخ ما يكفي للحديث طويلًا عن الماضي، لكن قيمة علاقتهما اليوم تُقاس أيضًا بما تبنيانه للمستقبل. وزيارة ولي العهد إلى القاهرة تؤكد استمرار هذا المسار، وتعكس إرادة مشتركة لتطوير الشراكة وتوسيع مجالاتها، بما يخدم مصالح البلدين والشعبين الشقيقين، ويعزز أمن المنطقة واستقرارها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد