: آخر تحديث

الصين وضفة النهر

4
4
2

لا تُقاس الحروب، في العادة، بضراوتها في الميادين، ولا بضجيج ما يصدر عن أطرافها من بيانات وتهديدات؛ بل بما يكشف عنه الغبار حين يهدأ، وتتضح الصورة خارج ساحات القتال؛ فالغلبة العسكرية لا تقود بالضرورة إلى الفوز بالسباق السياسي، ولعلّ حرب العراق عام 2003 هي الشاهد الأكثر سطوعاً على هذه المفارقة: كسب الائتلاف الغربي بقيادة واشنطن الجولة العسكرية بتكلفة باهظة، لكنّ الجائزة الكبرى ذهبت إلى إيران، التي حصدت الثمار وتمدَّدت في العراق.

استرجاع هذه الحقيقة اليوم هو مدخل ضروري لأسئلة أكثر إلحاحاً أمام مشهد دولي مفتوح على صراعات متعددة: مَن الرابح الحقيقي، الخفي، في الأزمة الروسية - الأوكرانية؟ ومَن المستفيد الأكبر من التوتر الأميركي - الإيراني في خليج هرمز؟ ومَن يجني ثمار الحرب التجارية المشتعلة بين واشنطن وأوتاوا؟

الأسئلة هنا لا تتعلق بالأطراف المتشابكة، ولا بمن يتبادل التصريحات والتحليلات على منابر الإعلام؛ بل بذلك «المتفرج» المحايد (ظاهرياً)، الذي يلتزم الصمت ولا يبدو حاضراً في الصورة، لكنَّه يتحرك خلف الستار ليظفر، في النهاية، بالغنيمة كاملة.

يلاحظ المتتبع لما يصدر ويُنشَر من تقارير إعلامية في واشنطن وأوروبا، ميلاً متزايداً لدى المحللين الغربيين إلى التحذير من مغبّة أن تكون الصين الرابح الأكبر في هذه الحروب مجتمعة؛ فهم يرون أن بكين تتصرَّف وفق مقولة صينية قديمة تحضّ على الجلوس على ضفة النهر، وانتظار ما تأتي به مياه النهر من غنائم.

الصينُ لم تكن طرفاً في حرب مضيق هرمز، وكان المتوقع أن تصيبها بالشلل؛ فهي أكبر مستورد للنفط في العالم منذ عام 1993، ونحو 70 في المائة من وارداتها تأتي من الشرق الأوسط. غير أن صدمة إغلاق مضيق هرمز كشفت عن حقيقة مذهلة؛ وهي أن الصين تمكَّنت من امتصاص الصدمة بسرعة لافتة، بفضل سياسة طاقة استراتيجية قامت على تأكيد وجود مخزون احتياطي كبير، إلى جانب قدرتها على إيجاد طرق بديلة إضافة إلى أنَّها قوة عظمى وسفنها آمنة. هذه المرونة لم تفت على أذهان المعلّقين والخبراء الغربيين، الذين رصدوها بوصفها نموذجاً لإدارة المخاطر الجيوسياسية.

سياسياً، يقول المعلقون الغربيون إن الصين تنتهج ما سمّوها «استراتيجية الملء التدريجي للفراغ»: ففي كل مرة تنشغل فيها واشنطن بفتح جبهة عسكرية أو دبلوماسية ضد إيران، تبتعد خطوة عن خطتها المعلنة لاحتواء النفوذ الصيني المتصاعد في آسيا وأفريقيا، فتترك لبكين مساحة أوسع لترسيخ حضورها الاقتصادي، وتأمين إمدادات الطاقة بشروطها الخاصة، بعيداً عن أي رقابة أو منافسة مباشرة.

وينسحب المنطق نفسه على الجبهة الأوكرانية، وإن بصورة أكثر تعقيداً: فبينما تستنزف الحرب موسكو عسكرياً واقتصادياً، وتدفع الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» نحو تماسك وتسليح غير مسبوقين منذ عقود، تجد الصين نفسها المستفيد غير المباشر الأبرز؛ إذ تحصل على النفط والغاز الروسيين بأسعار مخفّضة، وتوسّع حضورها في السوق الروسية التي أفرغتها العقوبات الغربية من منافسيها التقليديين، من دون أن تتحمل تكلفة الحرب نفسها أو عبء العقوبات المباشرة.

أمَّا في الحديقة الخلفية لواشنطن، فإنَّ اندلاع حرب تجارية مع كندا، الحليف الأقرب تاريخياً للولايات المتحدة، يُحدث تصدّعاً في التكتل الغربي قد لا يكون من اليسير رأبه. وهو تصدّع لا يخدم أحداً سوى بكين، التي تراقب من كثب كيف يُضعِف الخصمُ الأميركي وحلفاؤه أنفسَهم بأنفسهم، لتتقدّم هي بثقة، عارضةً نفسها بديلاً تجارياً واستثمارياً جاهزاً لملء الفجوة التي تتركها الخلافات الغربية الداخلية.

وهكذا يقف التنين على الحياد الظاهري، يراقب، ويوسّع نفوذه بهدوء في الفراغات التي تخلّفها هذه المواجهات. هذا ليس ضعفاً في التخطيط الأميركي أو الروسي أو الكندي، بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمنطق الحرب نفسه: فالمواجهة المباشرة، مهما كانت مبرراتها، تستنزف صاحبها، بينما الصبر الاستراتيجي يكافئ من يمارسه.

وإذا كانت الصين لم تُطلق رصاصة واحدة في أيٍّ من هذه الملفات، فذلك تحديداً هو مصدر قوتها: فهي لا تراهن على حسم عسكري أو انتصار دبلوماسي سريع؛ بل على تراكم بطيء ومنهجي للنفوذ، يُبنى في الظل، بينما الأضواء مسلّطة على ميادين القتال. الرابح في حروب هذا العصر ليس بالضرورة من يمتلك أقوى جيش أو أعلى صوت؛ بل من يُحسن قراءة اللحظة، ويعرف متى يجلس على ضفة النهر، بصبر، منتظراً أن تأتيه الغنيمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد