بعد تغيير الحكم في سوريا وتحويلها إلى مركز للإسناد، واستئصال حكم شافيز في فنزويلا، وانضمام صغار الكسبة من دول الخليج وتركيا وباكستان إلى الحلف الإبراهيمي، وبناء علاقات فوق العادة مع بوتين لإدارة مناطق النفوذ، وإركاع أوروبا سياسيًا واقتصاديًا، وانتقال العلاقات الصينية–الأميركية إلى مستويات كبيرة وضخمة، إلى جانب التحكم بمضيق هرمز، الذي يُعدّ من رئات الاقتصاد العالمي، حيث تبقى شرايين الموت والحياة بيد هذا الحلف الأميركي–الإسرائيلي. كل ذلك أدى إلى تطورات وانهيارات كبيرة في بنية العلاقات والتحالفات الدولية والإقليمية.
وفي ظل هذه التحولات المتسارعة، جاءت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران لتتجاوز في نتائجها حدود المواجهة العسكرية المباشرة، وترسم الملامح الأساسية والخطوط العريضة لوجه الشرق الأوسط الجديد.
ونتيجة لهذه المعطيات، أخذت السعودية على عاتقها القسم الأكبر من أعباء التمويل والدفع نحو هذه الحروب والمعارك في المنطقة، بينما أُنيط بإسرائيل دور القوة الضاربة في عمليات الهدم والتدمير، ووقفت باكستان وتركيا كلاعبَين احتياطيَين على خط التماس، في حين بقيت الولايات المتحدة الأميركية تدير الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية الكبرى على الصعيد الدولي، بما يضمن استمرار السيناريو المرسوم وتنفيذ مراحله المتعددة.
لكن في خضم هذه التحركات والحروب الإقليمية، يبدو أن تركيا اختارت أن تعمل بعيدًا عن الأضواء، وأن تستفرد بالملف الكوردي، واضعةً يدها عليه بصورة مباشرة وقوية.
ومن هنا تبدأ الحكاية الأخطر.
فقد أُطلق العنان لدور عبد الله أوجلان، ليكون أحد المفاتيح الأساسية في إعادة ترتيب البيت الكوردي، والتأثير في المجتمع الكوردي في كل من كوردستان تركيا وكوردستان سوريا، ومعالجة الأزمات والاضطرابات والتناقضات التي قد تعترض طريقه في تنفيذ هذه المهمة وبكل الوسائل.
وبدوره، انتقل أوجلان من حالة التحكم عن بُعد، إلى حالة الإشراف المباشر على عملية حل حزب العمال الكوردستاني، والضغط على أتباعه في كوردستان سوريا، وصولًا إلى محاولة إعادة تشكيل المشهد الكوردي العام، بما يتوافق مع الترتيبات الإقليمية الجديدة والرؤية التركية بشكل خاص.
وهنا تحديدًا أدركت إيران خطورة الوضع القادم، وبدأت تتعامل مع الصورة من زاوية مختلفة تمامًا.
فطهران أدركت، بشكل مباشر أو مستتر، أن تركيا تسارع إلى احتضان الملف الكوردي في المنطقة، وتطويعه لصالحها، وأنها تسعى إلى بناء نفوذ واسع يربط هذا الملف بمصالحها الاستراتيجية، ليس فقط داخل تركيا، وإنما في سوريا والعراق أيضًا.
وبعبارة أخرى، فإن الخطر الذي بدأت إيران تشعر به لا يتعلق بمجرد التقارب التركي–الكوردي، بل باحتمال أن تتحول القضية الكوردية، للمرة الأولى بهذا الحجم، إلى ورقة إقليمية تقع تحت إدارة وتأثير أنقرة وبالتنسيق مع منظومة التحالفات الجديدة في المنطقة، وعلى رأسها الحلف الإبراهيمي. وهذا تحديدًا ما يجعل المسألة بالنسبة إلى إيران أكثر حساسية.
فإذا نجحت تركيا في استمالة الكورد إلى جانبها، فإن ميزان القوى الإقليمي سيتغير بصورة جوهرية، وستجد إيران نفسها أمام واقع جغرافي وسياسي جديد يمتد من تركيا عبر سوريا والعراق إلى بحر قزوين، وقد يصل تأثيره إلى عمق المجال الحيوي الإيراني.
ولذلك، فإن التقارب الكوردي–التركي، في حال تحوله إلى مشروع سياسي واستراتيجي طويل الأمد، قد يجعل إيران واحدة من أبرز المتضررين منه.
ومن هنا يمكن فهم التصريحات اللافتة التي نُسبت إلى السياسي الإيراني البارز محمد باقر قاليباف، والتي جاءت في توقيت شديد الحساسية، وحملت رسائل تتجاوز الداخل الإيراني إلى اللاعبين الإقليميين، وعلى رأسهم تركيا.
فقد تحدث قاليباف عن ضرورة مراجعة الأخطاء السابقة تجاه الكورد بشكل عام، وعن ضرورة تغيير السياسات المتبعة تجاههم والعمل على جذبهم وكسبهم إلى الجانب الإيراني.
كما تحدث عن مخطط أميركي–إسرائيلي لإقامة كيان كوردي، وطرح في المقابل رؤية خاصة تقوم على أن منح الكورد مساحة أكبر من الإدارة والحكم المحلي قد يؤدي، من وجهة نظره، إلى كسب الكورد في ثلاث دول: سوريا والعراق وتركيا.
وذهب قاليباف أبعد من ذلك عندما تحدث عن إمكانية أن يؤدي دعم إقامة كيان كوردي إلى منح إيران منافذ استراتيجية باتجاه البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، معتبرًا أن قيام كوردستان كيانًا صديقًا لإيران قد لا يمثل خسارة للجمهورية الإسلامية، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة ونفوذ لها.
وهنا يصبح السؤال الأهم:
لماذا قيلت هذه الرسائل الآن، وإلى من كانت موجهة في الأساس؟
هل كانت موجهة إلى الداخل الإيراني؟ أم إلى الكورد؟ أم إلى الولايات المتحدة وإسرائيل؟ أم أن المستهدف الأول كان تركيا؟
أعتقد أن قراءة هذه التصريحات في سياقها الإقليمي تقود إلى احتمال واضح: إيران أرادت أن تقول لتركيا، بصورة غير مباشرة ولكن شديدة الوضوح، إنها لن تسمح لها بالاستفراد بالملف الكوردي في المنطقة.
فطهران، التي كانت تنظر تاريخيًا إلى القضية الكوردية باعتبارها أحد الملفات الحساسة التي يمكن أن تهدد أمنها القومي، يبدو أنها بدأت تفكر بطريقة مختلفة: إذا كان لا بد من استخدام الورقة الكوردية، فلماذا تتركها لأردوغان وحده؟
ومن هنا يمكن قراءة عدد من التطورات الكوردية الأخيرة ضمن هذا السياق، من دون القفز إلى استنتاجات قطعية.
فما جرى في كوردستان العراق من محاولات لتوحيد جبهات البيشمركة يمكن النظر إليه باعتباره جزءًا من إعادة ترتيب موازين القوى الكوردية والإقليمية.
وما يجري في المناطق الكوردية في سوريا من مظاهرات ومسيرات، يمكن أن يدخل أيضًا في إطار الصراع الأوسع على اتجاهات القرار الكوردي، وعلى الجهة التي ستملك التأثير الأكبر في مستقبل هذه المناطق.
أما البيان الأخير للجماعة الأوجلانية، وما يرافقه من احتمالات حول مستقبل عملية السلام مع تركيا والتهديد الذي خرج من قياداتهم العليا باحتمالية وقف عملية السلام مع أنقرة، فيمكن قراءته هو الآخر ضمن صراع أكبر على مستوى.
أما البيان الأخير للجماعة الأوجلانية، وما يرافقه من احتمالات حول مستقبل عملية السلام مع تركيا، والتهديد الذي خرج من قياداتهم العليا باحتمالية وقف عملية السلام مع أنقرة، فيمكن قراءته هو الآخر ضمن صراع أكبر على مستقبل الورقة الكوردية، وعلى الجهة التي ستملك مفاتيح توجيهها.
وهنا بالضبط علينا أن نبحث عن النبّاش الأول، ذلك الذي يراقب كل شاردة وواردة، ويعرف أن من يملك مفتاح الملف الكوردي في هذه المرحلة قد يمتلك جزءًا مهمًا من مفاتيح الشرق الأوسط الجديد.
فهل ستسمح إيران لتركيا بالاستفراد بالقضية الكوردية في المنطقة؟
أم أن الصراع بين الطرفين على هذه الورقة قد يفتح الباب أمام جالديران جديدة، ولكن هذه المرة بأدوات مختلفة، وخرائط مختلفة، وربما بنتائج لا تشبه جالديران القديمة؟


