: آخر تحديث

هل الطبيب إنسان عادي؟

3
2
1

كتب الزميل العراقي/الألماني، صاحب الاسم اللافت «ملهم الملائكة»، مقالا في «الحوار المتمدن» بعنوان قريب من العنوان أعلاه، ذكر فيه، بتصرف:

في زحمة الحياة ينسى الكثيرون أنّ طبيبهم الذي يلتمسون عنده الشفاء ليس أحد أفراد القطيع البشري الذي ينتظم فيه الغالبية، بل هو أحد الرعاة النوادر.

ما ذكره ملهم صحيح، وسبق أن تطرقت لهذا الموضوع قبل أيام في مقال ذكرت فيه أن المتميزين في الطب، هم من صرفوا أنفسهم بشكل شبه كامل لدراستهم، وهجروا خلالها الدنيا، لسنوات عدة، لتكملة رسالتهم الإنسانية، ودفعوا الثمن غاليا. يستطرد ملهم: أراني أصنف الطبيب في بعض المواضع في مراتب الحكماء. وقد يعترض البعض لكني أحيلهم، ببساطة إلى تصنيف العرب للطبيب بوصفه «حكيماً» وهو تصنيف موروث في كل تاريخ الحضارات، وحكمته جاءت لأنه الوحيد الذي يجمع، في دراسته بين علم الأجساد، وعلم الأرواح والنفوس والأخلاق، فمعالجة الأبدان لا تستقيم دون فهم النفس البشرية وطبائعها. وكان الطبيب، في بدء تمدن البشرية، يدرس الفلسفة والمنطق والفلك إلى جانب الطب.

تطلق الدول الحديثة، عادة، لقب «دكتور»، على الطبيب البشري. ويتحرج، الغربي بشكل عام، من حملة شهادة الدكتوراه في الفلسفة، خارج مجال الطب، من استخدام التسمية، أو تقديم نفسه بـ«دكتور» أو كتابة اللقب في مخاطباته مع الغير، ما لم تكن رسائل بحثية أو رسمية. فهنري كيسنجر وزبيغنيو بريجينسكي، وكونداليزا رايس، ونعوم شومنسكي، والملايين غيرهم، يحملون شهادات الدكتوراه، لكن لا أحد يخاطبهم بها. وما نراه عندنا عكس ذلك تماما. لذا أتحرج كثيرا في مخاطبة «الدكتور» بما يحب، خاصة من غير الأطباء، لكثرتهم، وضحالة فكر غالبيتهم، فكيف يكون خريج شريعة، مثلا، دكتور فلسفة في العقيدة، والدين لا يعترف بالفلسفة أصلا، كما أنه كامل، فما حاجته لطالب دكتوراه، ليكمله؟

لذا استخدمت مسطرة واحدة في التعامل مع الجميع، والأكاديمي الواثق من نفسه وعلمه سيتفهم وجهة نظري حتما، خاصة أن لقب دكتور كان تاريخياً محصوراً فيمن يصل إلى أعلى درجات العلم في الجامعات، لكن بمرور الوقت ارتبط بالطب لعدة أسباب، منها:

الهوية المهنية المكتسبة في التحصيل الأكاديمي: في العديد من البلدان مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا، التي تمنح كليات الطب شهادة دكتوراه مهنية مخصصة للممارسة الإكلينيكية مثل MD أو MBBS ورغم أنها شهادات تطبيقية وليست بحثية، إلا أنها تمنح صاحبها الحق القانوني والمهني في استخدام اللقب، هذا إضافة إلى الوضوح أمام المرضى وتميّز المكانة في المجتمع الطبي، وتمكين المرضى من التعرف فوراً على الشخص المسؤول عن رعايتهم الطبية داخل المستشفيات. وقد تكون بريطانيا، كعادتها في التفرد، لا تتبع ذلك، فبمجرد تحول الطبيب لجراح، وهي درجة أرفع، فإن عليه التخلى عن لقب، ليخاطب بالسيد أو «Mr.» هذا تقليد تاريخي يعود للأيام التي كان فيها الجراحون ينتمون لنقابات الحلاقين (الحجامين) وليس لأطباء الجامعات.

أما في ألمانيا والنمسا وسويسرا، حيث تسود القوانين الصارمة، فإن خريج كلية الطب يسمى طبيبا، ولا يحق له قانوناً استخدام لقب «دكتور» (Dr) إلا إذا كتب أطروحة دكتوراه وحصل على درجة (Dr. med).

* * *

قد يرى البعض شيئا من المبالغة في ما كتبه الزميل «ملهم»، لكن ليس أدل على صدق قوله، ما ينتابنا عادة من قلق وهلع فور الإصابة بعارض صحي، أو عند الحاجة لإجراء عملية جراحية، حينها تتضاءل كل التخصصات والألقاب، ويصبح «الطبيب» هو المنقذ والملهم والملاك، القادم لنا بصورة إنسان، والذي بمقدوره تخفيف آلامنا، وربما إعادة الأمل والروح لنا.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد