: آخر تحديث

المبني للمجهول

3
3
2

سارة النومس

يتحدث الناس دائماً عن النقطة التي تغيرت عندها حياتهم، وتبدلت أحوالهم أو حتى مسيرتهم في الحياة. وعادة ما تكون حادثاً رئيسياً في حياة هذا الإنسان، أو موت شخص قريب، أو حتى النجاة من موت محقق. أما من ناحية الشعوب، فالحروب دائماً ما تكون سبباً رئيساً في تغير أحوال الناس وتبدلها والبدء من جديد، خاصة إذا كان أثر الدمار كبيراً.

لذا أستغرب من الناس الذين يعتقدون أن عودة سوريا وإعادة إعمارها اليوم، لن تستغرق سنوات طويلة، فإصلاح ما تصنعه الحروب لا يحدث بين ليلة وضحاها.

بالنسبة للعالم في هذه الألفية، فقد تغيرت أحواله بسبب الجائحة التي حدثت عام 2020، حتى إن الحياة قبلها تبدو وكأنها تعود إلى قرن مضى. أصبح عام 2019 يعبر عن الزمن الجميل. ماذا حدث؟ يصر البعض على أنه لا يتذكر كيف كانت حياته قبل الجائحة، وكأنه دخل عالماً آخر وحياة جديدة ما بعد كورونا.

هل حُكم علينا أن نعيش هذه التقلبات الزمنية في هذا الوقت بالذات؟ لا أقصد أن أكون سلبية، فبعض الأمور الإيجابية قد حدثت بالفعل، قبل أن تقوم الحرب الغريبة التي نعيشها اليوم، ولا نعلم كيف ستنتهي، والأهم من ذلك: كيف سيصبح وجه الشرق الأوسط بعدها؟

كانت الحرب العالمية الأولى سبباً في سقوط إمبراطوريات كبيرة وإعادة رسم الخرائط، خصوصاً في الشرق الأوسط. كما أن مدينتي هيروشيما وناغازاكي كانتا شاهدتين على كارثة إنسانية حدثت في غضون ساعات خلال الحرب الثانية، وغيرت وجه اليابان للأبد.

فقد انتهى عهد الإمبراطورية العسكرية التوسعية، ووُضع الدستور الياباني معلناً ولادة دولة ديمقراطية برلمانية، كما مُنع الجيش من خوض الحروب الهجومية مستقبلاً. واليوم أصبحت اليابان من الدول الرائدة في التكنولوجيا والصناعة.

ومن الحوادث التي غيرت التاريخ أيضاً، أحداث البرجين التوأمين في نيويورك في 2001، وما تلاها من حروب إعلامية عالمية على الدين الإسلامي والشرق الأوسط، وإلصاق مفهوم الإرهاب بتلك المنطقة بشكل خاص. وكان لتلك الحملة الإعلامية ثمن باهظ دفعته دول الشرق الأوسط على مدى سنوات طويلة.

ماذا سيحدث في السنوات المقبلة؟ أعني أن من الواضح أن ملامح رئيسية ستتغير في وجه الشرق الأوسط من النواحي كافة.

ولا أتحدث هنا بمخاوف، وإنما أتخيل مستقبلاً قد يقول: تلك الأراضي كانت تكتسحها الصحراء، وكان سكانها يعيشون في خيام يوماً ما، تحولت إلى مناطق صناعية قوية تنافس العالم. وربما ستختفي جمهورية شرسة كانت تسبب المشكلات، وتتحول إلى نظام جديد كلياً لا تحكمه عقيدة أو أيديولوجيا بعينها، بل دستور سياسي ممنهج.

جميعنا نشعر اليوم بأن شيئاً ما سيتغير في المنطقة التي نعيش فيها، وأن الأيام السابقة لن تعود كما كانت. نحن نعيش اليوم نقطة تحول تحاول من خلالها الحكومات والسياسات الحفاظ على كيانها والدفاع عنه، وإن لم تستطع تغييره إلى الأفضل فلن ترضى بأقل من ذلك. ربما نكون جميعاً يوماً ما رُواة نسرد أحداث هذه المرحلة بتسلسل يبدأ من الجائحة، ويمر بالحروب والتحولات السياسية، وينتهي بولادة ملامح جديدة لمنطقة مختلفة عما عرفناه. ربما سيستمر هذا الوجه الجديد في إدارة جزء من العالم لـ 50 سنة قادمة، أو لعقد واحد فقط، قبل أن يتغير من جديد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد