هناك فارق يجب الإشارة إليه منذ البداية، وبأكبر قدر من الوضوح: أنا لا أتهم حزب الله أو إيران أو النظام السوري السابق، قانونيًا، بأنهم فجّروا مرفأ بيروت. لا أملك هذا الادعاء، والتحقيق القضائي المنشور حتى الآن لم يصل إلى هذه الخلاصة.
لكنني أتهمهم سياسيًا.
هذا الاتهام لا يحتاج إلى تلفيق الأدلة، ولا إلى تجاوز القضاء، ولا إلى تحويل الرأي السياسي إلى قرار اتهامي. يكفي أن نطلع على ما كشفه مسار التحقيق نفسه، وعلى منظومة السلطة التي أحاطت بالدولة اللبنانية طوال العقود الماضية، وعلى الطريقة التي تعامل بها أركان هذه المنظومة مع القضاء عندما اقترب منهم.
في 15 أيلول (سبتمبر) 2026، طلبت النيابة العامة التمييزية توجيه الاتهام إلى الرئيس السابق ميشال عون بالإهمال الجنائي في ملف انفجار مرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس) 2020. ووفق ما نُقل عن مصدر قضائي، فإن المطالعة اعتبرت أن عون كان يعلم بوجود نيترات الأمونيوم وبخطورتها ولم يتخذ الإجراءات التي رأت النيابة أنها كانت مطلوبة منه. القرار النهائي في الاتهام يعود إلى المحقق العدلي طارق البيطار، وهو غير ملزم بهذه المطالعة. وهذه نقطة قانونية يجب احترامها كاملة: ميشال عون ليس مدانًا لأن النيابة طلبت اتهامه، والاتهام، إذا صدر، ليس إدانة.
لكن السياسة تبدأ حيث ينتهي هذا التوضيح القانوني.
ميشال عون لم يكن موظفًا صغيرًا في الدولة. كان رئيس الجمهورية، وكان رأس منظومة سياسية قامت، منذ تفاهم مار مخايل، على تحالف عضوي مع حزب الله. وحزب الله بدوره ليس حزبًا عاديًا في التاريخ اللبناني الحديث، بل القوة المسلحة والسياسية الأبرز المرتبطة بإيران، بينما شكّل النظام السوري السابق طوال عقود ركنًا مركزيًا في شبكة النفوذ التي حكمت لبنان ونسجت منظوماته الأمنية والسياسية، قبل انسحاب قواته عام 2005. العلاقة بين إيران وحزب الله ونظام الأسد لم تكن سرًا ولا استنتاجًا: هي محور سياسي وعسكري موثق، وكانت سوريا تاريخيًا ممرًا رئيسيًا للدعم الإيراني إلى حزب الله، كما قاتل الحزب لاحقًا دفاعًا عن نظام بشار الأسد في سوريا.
من هنا تأتي إدانتي السياسية.
لا أقول إن إيران خزّنت النيترات، أو إن حزب الله أشعل الحريق، ولا أقول إن دمشق أصدرت أمرًا بتفجير المرفأ، بالرغم من أنهم قاموا بتلك الجرائم ولربما أشنع.
أقول شيئًا آخر، وربما أخطر: إن منظومة "محور المقاومة" التي قدمت نفسها لعقود بوصفها صاحبة الحق الأخلاقي الوصي على لبنان، كانت جزءًا أساسيًا من نظام سياسي وأمني انهارت في ظله مؤسسات الدولة إلى الحد الذي يسمح بتخزين مواد شديدة الخطورة لسنوات في قلب العاصمة، فيما كان مسؤولون كبار يعلمون بوجودها. ثم، عندما بدأ القضاء يقترب من مراكز السلطة، تحولت معركة المرفأ إلى معركة على القاضي نفسه.
هذه ليست رواية خصوم حزب الله. حسن نصرالله نفسه هاجم تحقيق طارق البيطار، إذ وصفه بأنه منحاز وطالب بإقالته. والتحقيق تعرّض لسلسلة طويلة من الدعاوى والتعطيل ورفض المثول أمام المحقق، إلى درجة أن منظمات حقوقية دولية وصفت ما جرى بأنه عرقلة مستمرة لمسار العدالة. وفي 2025 بقي مسؤولون، بينهم علي حسن خليل وغازي زعيتر وغسان عويدات، رافضين الخضوع للاستجواب، فيما كان آخرون قد بدأوا أخيرًا بالمثول أمام البيطار.
وهنا، بالنسبة إليّ، تسقط الأقنعة.
من يريد أن يدّعي "المقاومة" لا يستطيع أن يقاوم القاضي عندما يُستدعى.
ومن يريد احتكار خطاب الشهادة لا يستطيع أن يطلب من أهالي أكثر من مئتي قتيل أن يصمتوا لأن التحقيق طال حليفًا أو وزيرًا أو نائبًا.
ومن يبني شرعيته على أنه يحمي لبنان لا يستطيع أن يتعامل مع القضاء وكأنه عدو لمجرد أن القضاء قرر أن يسأل: من كان يعرف؟ من كان مسؤولًا؟ من قصّر؟ ومن حاول وقف التحقيق؟
المشكلة هنا ليست فقط فيما سيصدر عن القرار الاتهامي. المشكلة في انهيار الادعاء الأخلاقي كله.
على مدى سنوات، قدّم محور إيران وحلفائها نفسه في المنطقة باعتباره معسكرًا مختلفًا عن الأنظمة الأخرى: معسكر الشهداء في مواجهة الفاسدين، والتضحيات في مواجهة العملاء، والمقاومة في مواجهة الخضوع. لكن الرابع من آب (أغسطس) أدخل هذا الخطاب إلى مختبر أكثر قسوة من أي منبر سياسي: مختبر المسؤولية.
وماذا رأينا؟
رأينا دولة تعرف ولا تتحرك. رأينا مسؤولين يستدعيهم القضاء فيرفض بعضهم المثول. رأينا قاضيًا يُحاصر بالدعاوى والخصومات. نحن أمام زعيم أقوى تنظيم مسلح في البلاد يطالب بإبعاد المحقق، وأمام ست سنوات مرت بينما أهالي الضحايا ينتظرون أبسط حق في أي دولة تحترم نفسها: معرفة من فعل ماذا، ومن سمح بماذا، ومن قصّر، ومن حمى المقصّرين.
لذلك لا أحتاج إلى القول إن حزب الله فجّر المرفأ كي أدينه سياسيًا. ولا أحتاج إلى الادعاء بأن طهران أرسلت النيترات كي أحاكم مشروعها في لبنان سياسيًا. ولا أحتاج إلى وجود بشار الأسد في قفص اتهام ملف المرفأ كي أحمّل النظام الذي حكم لبنان بالوصاية والأجهزة والمحاور جزءًا من مسؤولية إنتاج الدولة التي انتهت بنا إلى الرابع من آب (أغسطس).
هذه إدانة سياسية، لا حكم محكمة.
أما المحكمة فدورها مختلف: يتعلق بالأسماء، والأدلة، والأفعال، والعلاقة السببية، والمسؤولية الجزائية.
وأنا أريدها أن تقوم بعملها حتى النهاية، من دون أن أحمّلها مواقفي السياسية، ومن دون أن أطلب منها أن تثبت لي ما أؤمن به سياسيًا.
لكنني أيضًا لن أسمح لأحد بأن يقول إن علينا تعليق حكمنا السياسي إلى أن يصدر آخر حكم قضائي بعد سنوات أخرى.
القضاء سيقرر من يُدان قانونيًا.
أمَّا السياسة فقد أعطتنا، منذ زمن، ما يكفي لنقرر أي نوع من السلطة حكم لبنان، وكيف تعامل مع الحقيقة عندما وصلت الحقيقة إلى بابه.


