: آخر تحديث
جزء سابع من شهادة فخري كريم:

كواليس انقلاب 2010 الدستوري.. و"التفسير" الذي هزم الصناديق!

3
3
4

بين صناديق انتخابات مجالس المحافظات في كانون الثاني (يناير) 2009، وصناديق الانتخابات البرلمانية في آذار (مارس) 2010، يمتد هذا الجزء من شهادة فخري كريم على واحدة من أكثر المراحل حساسية في تشكل الحكم العراقي بعد 2003. ففي غضون عام واحد، انتقل نوري المالكي من رئيس وزراء جاء إلى المنصب مرشح تسوية، تحيط به قيود الحزب والتحالف والشركاء، إلى زعيم ائتلاف انتخابي خاص به، مدفوعًا بفوز محلي عزز نفوذه وأطلق طموحه إلى بناء مشروع نفوذ سياسي منفرد.

لكن صورة الصعود تلك كانت تجري على أرض شديدة الاضطراب. بغداد التي شهدت تحسنًا أمنيًا نسبيًا بقيت مقطعة بالجدران الكونكريتية والسيطرات ومظاهر العسكرة، فيما عادت التفجيرات الكبرى في صيف وخريف 2009 لتضرب قلب مؤسسات الدولة. وبين الجدران التي كرست واقع الانقسام، ظهرت محاولات شعبية لاستعادة المدينة وهويتها، من الفنانين الذين حولوا الكونكريت إلى لوحات، إلى أحياء أعلنت رفضها للتهجير والقتل على الهوية والميليشيات.

وفي قلب هذه المفارقة، يقرأ كريم التحول الذي طرأ على المالكي نفسه. فالانتصار الذي حققه ائتلاف دولة القانون في انتخابات المحافظات منحه قوة جديدة داخل البيئة الشيعية، وأضعف منافسيه، لكنه، في تقدير كريم، غذى في الوقت نفسه نزعة الانفراد، حتى بدأ الرجل يتحرر تدريجيًا من القوى التي حملته إلى رئاسة الحكومة ويتعامل مع نفسه بوصفه صاحب مشروع مستقل.

وعندما اقتربت انتخابات 2010، انتقلت المعركة إلى مستوى آخر. ومن هنا تبدأ العقدة التي ستتجاوز انتخابات واحدة إلى قواعد تشكيل السلطة نفسها، في كل انتخابات.

صناديق 2009 وجدران بغداد: ولادة المشروع المنفرد!

يستعيد كريم الوقائع التي يرى أنها بدأت تشكل نفوذ رئيس الوزراء نوري المالكي، بدءًا من إقرار قانون انتخابات مجالس المحافظات في أيلول (سبتمبر) 2008، ثم إجرائها في 31 كانون الثاني (يناير) من العام التالي (2009)، لتشمل 14 محافظة، باستثناء محافظات إقليم كردستان وكركوك. وهي عنده لم تكن اقتراعًا عاديًا، إذ يقول: "كانت بمثابة مرآة تعكس تحولًا في ميزان القوى داخل التحالف الشيعي لصالح المالكي ومشروعه السياسي"، ولتكون في الوقت نفسه "اختبارًا لشعبيته بين المكون الشيعي".

وفي تلك الفترة، تشكل ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي، وخاض الرجل من خلاله جميع الانتخابات التي أُجريت في العراق. وكان الائتلاف خليطًا ضم قيادات في حزب الدعوة الإسلامية وشخصيات مستقلة، وأخرى منشقة من قوى وأحزاب، غالبيتهم من المسؤولين في مؤسسات الدولة أو نواب في مجلس النواب.

توجه نحو 7.5 ملايين ناخب عراقي إلى صناديق الاقتراع في 31 كانون الثاني (يناير) 2009، ليتنافس ما يزيد على 400 كيان سياسي على 440 مقعدًا موزعة على مجالس 14 محافظة. أشرفت على العملية المفوضية العليا المستقلة للانتخابات برئاسة فرج الحيدري، بإسناد فني واسع من بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، ووصف ممثلها ستافان دي ميستورا سير الاقتراع بأنه جرى بصورة منظمة ومهنية، فيما اتسم يوم الاقتراع نفسه بهدوء أمني بدا استثنائيًا قياسًا بسنوات العنف التي سبقته.

حصل ائتلاف دولة القانون في حينها على 126 مقعدًا و19.1 بالمئة من أصوات الناخبين في انتخابات 2009، وهي حصيلة تحققت في تقدير كريم "على حساب المجلس الإسلامي الأعلى الذي تراجع نفوذه في البيئة الشيعية التي كان المهيمن فيها بعد 2003". وتسند الأرقام حدة هذا التراجع. فالمجلس، الذي خاض الاستحقاق بقائمة "شهيد المحراب" وكان يملك من انتخابات 2005 رصيدًا قدره 195 مقعدًا، لم يحصد هذه المرة سوى 52 مقعدًا (6.8 بالمئة من الأصوات)، أي خسر دفعة واحدة قرابة ثلاثة أرباع رصيده السابق.

وحل خلف الكتلتين الأكبر كل من التيار الصدري بـ43 مقعدًا، وجبهة التوافق العراقي بزعامة طارق الهاشمي بـ32 مقعدًا، والقائمة العراقية بزعامة إياد علاوي بـ26 مقعدًا، وتيار الوفاق الوطني بزعامة إبراهيم الجعفري بـ23 مقعدًا.

ولم يكن الرقم وحده ما ميز فوز الائتلاف الجديد، وإنما طريقة تحققه، ففي بغداد والبصرة تحديدًا، بدا أن اسم المالكي نفسه — أكثر من اسم حزب الدعوة الذي ينتمي إليه — هو مركز الجاذبية الانتخابية للقائمة الوليدة، وهي الإشارة الأولى إلى انزياح في ميزان القوى بدأ داخل حزبه - حزب الدعوة الإسلامية - نفسه قبل أن يمتد إلى محيطه الشيعي الأوسع.

غير أن كريم لا يسمح لهذا الانتصار الانتخابي بأن يقف وحده في الصورة التي يقدمها. فما إن مضت أشهر على تلك الانتخابات المحلية حتى "عادت العمليات الإرهابية لمجرمي الدولة الإسلامية في العراق في صيف وخريف 2009 لتستهدف مؤسسات حكومية في العاصمة بسلسلة تفجيرات مروعة"، كما يقول.

وجاءت عودة التفجيرات بثلاث موجات متعاقبة بلغت من الجسامة ما جعلها علامات فارقة في تاريخ العنف العراقي بعد 2003. ففي 19 آب (أغسطس) ضربت سلسلة من السيارات والشاحنات المفخخة - إلى جانب قذائف هاون سقط بعضها داخل المنطقة الخضراء وعلى وزارة الدفاع ومركز للشرطة - وزارتي الخارجية والمالية ومواقع أخرى متفرقة في بغداد، في هجوم عُرف باسم "الأربعاء الدامي"، أوقع 96 قتيلًا و565 جريحًا.

وبعد شهرين، في 25 تشرين الأول (أكتوبر)، عادت شاحنتان مفخختان لتضربا وزارة العدل ومبنى مجلس محافظة بغداد في هجوم عُرف بـ"الأحد الأسود"، خلف 155 قتيلًا - بينهم عشرات الأطفال - وأكثر من 720 جريحًا. ثم جاء الثامن من كانون الأول (ديسمبر) بموجة ثالثة من التفجيرات استهدفت محيط الوزارات، فأوقعت 127 قتيلًا وقرابة 450 جريحًا.

وكان التوقيت سياسيًا بقدر ما كان أمنيًا. فالمالكي كان يتقدم إلى انتخابات 2010 حاملًا معه صورة رئيس الوزراء الذي أعاد للدولة قدرتها على فرض الأمن، فيما كانت التفجيرات الكبرى تضرب مؤسسات الدولة نفسها، وتعيد إلى النقاش العام سؤالًا لم يكن قد حُسم: إلى أي مدى كان التحسن الأمني مستقرًا، وإلى أي مدى بقي قابلًا للانهيار؟

وعلى هذا السؤال تحديدًا يعود كريم في شهادته، إذ يقول إن "التحسن الأمني النسبي الذي شهدته بغداد في الفترة الأخيرة من الولاية الأولى للمالكي، قابله بقاء مظاهر العسكرة، والسيطرات العشوائية والاحتقان والاستنفار الطائفي مهيمنة على العاصمة بوجه خاص".

ثم ينتقل كريم من التوصيف إلى التشخيص، فيسمي ما كان يجري باسمه الذي يراه صحيحًا. يقول إنه، "تحت قرقعة السلاح وباسم القانون وبادعاء حماية المواطنين"، كان يجري تنظيم "كانتونات فصل طائفي، تعزلها جدران كونكريتية مرتفعة، تُخلى فيها أحياء ومحلات ومناطق كاملة، وتجرد من هويتها وطابعها الوطني، ليكرس لها بدلاً منه هوية طائفية وحدانية"، تجوب فيها - بتعبيره - "القطعان المسلحة تستبيح حرمات مواطنيها لتعلن أنها أصبحت منطقة آمنة".

وهو لا يستثني من نقده تلك التشكيلات المحلية التي قدمت بوصفها حلًا، فيصفها بأنها كانت في أحسن الأحوال "مجاميع مختارة من طائفة تسود في محيطها، حلت محل ما كان ينبغي أن يكون تدابير وإجراءات وتحقيقًا عمليًا لسلم أهلي، وحملات توعية مستدامة تعيد الاعتبار للمواطنة الحرة المتساوية، لا خطابات جوفاء".

وفي مقابل هذا التسوير الإسمنتي للأحياء والمناطق السكنية، يفرد كريم مساحة لما يعده الرد الشعبي عليه، وهي مساحة تحمل في نبرتها دفئًا ظاهرًا. فبغداد التي "صارت مسورات جدرانية كئيبة تجرد المواطن وهو يمر بها من طاقته الإيجابية، وتزرع فيه إحساسه بالانغلاق والغربة، خففت من وقعها عليه مبادرة شبابية شجاعة مبتكرة إبداعيًا أقدمت بفرشها وأصباغها وعدد رسمها على أن تزين الجدران الجرداء بلوحات بهيجة ورسوم وكاريكاتيرات، شارك فيها عشرات الفنانات والفنانين، وعكس بعضها ما في وعي الناس من إحساس بالخيبة وتطلع للأمل والرجاء".

وما يعنيه في هذه الواقعة يتجاوز الفن إلى السياسة. فالمشهد المحبط لجدران العزل الطائفي، كما يرى، "كان يقابله إقدام شعبي يجسد أنبل القيم والتقاليد الوطنية، فاضحًا الكراهية ورفض الآخر والانقسام والفصل العنصري"، التي ينسبها في شهادته إلى "الاحتلال وحوامل النزوع الطائفي والمذهبي والمكوناتي"، ويعدها "غريبة عن تراث شعبنا بالرغم من القهر والتمييز السياسي للأنظمة المتعاقبة".

ويضرب المثل بإعلان أهالي منطقة الكفاح في بغداد منطقتهم "مساحة مضيئة للتواصل والتآخي الوطني، لا مهجرين فيها ولا دعاة قتل على الهوية ولا ميليشيات متعصبة ولا شذاذ آفاق"، حتى صارت منطقة الكفاح بمحلاتها السكنية — الفضل، والصدرية، وأبو سيفين، وباب الشيخ — "قبلة مشرقة للعراقيين". ويضم إليها الكرادة التي حافظت في روايته "على طبيعتها المواطنية، يعيش فيها العراقيون جميعًا بهويتهم العراقية، نابذين كل هوية فرعية مخاصمة".

ثم يختم هذا الخيط بجملة تحمل رجاء وعتبًا معًا: "وأكملت صحوة الأنبار تمرد العراقيين على كل ما يخدش وطنيتهم ووحدتهم، بانتظار صحوة العراقيين في كل البلاد".

ثم ينتقل كريم إلى حكمه عن المالكي، فالرجل "الذي خرج من صناديق كانون الثاني (يناير) منتصرًا هو نفسه الرجل الذي أخفق في إدراك معنى ما ناله.. لم يصدق المالكي أنه صار حاكم العراق — بما يرمز إليه الموقع من مسؤولية تاريخية تحتم عليه مراعاة المصالح الوطنية العليا والحساسيات السياسية والحزبية المتفاعلة في إطار العملية السياسية الهشة، وتجنب الانفراد بإدارة البلاد، وألا يكون أسير نزعاته الشخصية والحزبوية والطائفية الضيقة".

ويشدد على أنه، "وهو في حالة زهو الانبهار بنفسه، تجاهل أن صيرورته صاحب مشروع انتخابي مستقل تفرض عليه أعباء ومسؤولية أثقل، ووعيًا بما يقتضيه ذلك من تشارك وتضافر وارتقاء بالأداء لانتشال البلاد من حالة استعصاء سياسي وأمني تعيق استكمال بناء الدولة ومؤسساتها وأجهزتها وهياكلها المتصدعة".

ويضيف: "في تلك الفترة تحرر المالكي من كونه مرشح حزب الدعوة بعد تفكك الائتلاف العراقي، فازداد تعاليًا على موارد صعوده ونجاحه، مستصغرًا دعم حزبه ورفاقه وشركائه في العملية السياسية".

هندسة الاستحقاق الانتخابي قبل موعده

قبل أن تفتح صناديق اقتراع انتخابات البرلمان لعام 2010 بأشهر، كانت المعركة الحقيقية تدور على القواعد التي ستفتح بموجبها تلك الصناديق، وهي معركة جرى خوضها في جولتين، الأولى في نص القانون، والثانية في لائحة المرشحين، وما حُسم في الجولتين كان يرسم مسبقًا حدود ما يمكن أن تقوله الصناديق.

يسجل كريم أن البرلمان "شهد أواخر 2009 صراعًا محتدمًا حول قانون الانتخابات الخاص بمجلس النواب، وأن من بين ما أثير الخلاف حوله، الموقف من تمثيل العراقيين في الخارج والمقاعد والتوازنات السكانية".

 

وقد تبدو هذه العناوين في ظاهرها فنية تشريعية، غير أنها تمس في صميمها حصص القوى الكبرى قبل أن يقترع أحد. فقانون الانتخابات نفسه أدخل، للمرة الأولى، نظام "القائمة المفتوحة" بدلاً من القائمة المغلقة المعتمدة في دورة 2005، ومنح مقاعد تعويضية بنسبة 5 بالمئة لمكونات صغيرة (المسيحيون، اليزيديون، الصابئة المندائيون)، فيما بقي "التوازن السكاني" عنوانًا ملتبسًا لخلاف فعلي حول عدد مقاعد محافظات بعينها - أبرزها نينوى - ومقاعد العراقيين المهجرين خارج البلاد.

"لكن التسوية بين الفرقاء سمحت بالمضي إلى الانتخابات وتجاوز حق النقض الذي استخدمه نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي"، كما يقول كريم، إذ كان لدى رئاسة الجمهورية (الرئيس ونائبيه) آنذاك أداة قانونية (حق النقض) تستعمل لتعطيل التشريعات. وكان الهاشمي قد استخدم هذا الحق بعد إقرار البرلمان القانون في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009، عقب خلاف طويل حول كركوك وتوزيع المقاعد، معترضًا على أن النسبة المخصصة للمقاعد الوطنية والتعويضية - نحو 5 بالمئة فقط - لا تمنح العراقيين في الخارج تمثيلًا كافيًا، ومطالبًا برفعها إلى 15 بالمئة. وأدى تعديل البرلمان للقانون في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) إلى اعتراضات سنية جديدة من جهة أخرى، قبل أن تحسم التسوية النهائية مطلع كانون الأول (ديسمبر)، بضغط من ممثل الأمم المتحدة آد ملكرت الذي تولى الوساطة بين الفرقاء. وكان لهذا النزاع أثر مباشر في تأجيل موعد الانتخابات من كانون الثاني (يناير) إلى السابع من آذار (مارس) 2010.

ويتوقف عند عقبة أخرى "أثارت أزمة استعصاء سياسي في 15 كانون الثاني (يناير) 2010، تمثلت في قضية اجتثاث البعث، بعد أن استبعدت مفوضية الانتخابات قبل إجرائها ما يقرب من 460 مرشحًا وتسعة كيانات سياسية، ضمت شخصيات وقوائم سنية". ويشدد على أن "القضية اكتسبت أهمية استثنائية وامتد أثرها إلى الاستحقاق الانتخابي نفسه وما بعده".

ولم تُعد لجنة الطعون في نهاية المطاف سوى 26 مرشحًا من مجمل الحالات التي نظرت فيها.

وكانت هيئة المساءلة والعدالة تعمل آنذاك في وضع قانوني وإداري ملتبس، مع استمرار قيادة هيئة اجتثاث البعث السابقة في ممارسة صلاحياتها، إذ كان أحمد الجلبي يتولى رئاستها فعليًا، فيما كان علي فيصل اللامي مديرها التنفيذي، وصاحب الدور المباشر في تدقيق قوائم المرشحين وإعلان قرارات الاستبعاد. وكان كلاهما، في الوقت ذاته، مرشحًا ضمن الائتلاف الوطني العراقي.

وطال الحظر شخصيات بارزة من القائمة العراقية، أبرزها صالح المطلك وظافر العاني وراسم العوادي. وجاهر الرئيس جلال الطالباني علنًا باعتراضه على الإجراءات القانونية التي اتبعتها الهيئة.

"فاستبعاد مئات المرشحين على أعتاب الاقتراع"، كما ينظر كريم إلى المسألة، "لا يغير أسماء في لائحة، بقدر ما يغير السؤال المطروح على الناخب. إذ تتحول الانتخابات من تنافس على إدارة البلاد إلى نزاع على أحقية المشاركة فيها ابتداءً، ويصبح ملف الاجتثاث — بما يحمله من حمولة تأسيسية منذ 2003 — أداة تشهر في لحظة الحسم الانتخابي. وحين تكون القوائم المستبعدة سنية في أغلبها، فإن أثر القرار ينتقل من مستوى الأهلية القانونية إلى مستوى تمثيل مكون بأكمله"، وهو ما يفسر، في رواية كريم، لماذا لم تنته القضية بانتهاء أجلها الإجرائي!

ويتبع الواقعة بمعلومة يقدمها بصيغة الاستدراك التوثيقي، ويسندها إلى ما يعلمه: "علمًا أن السفير الأميركي زلماي خليل زاد كان قد طرح ملف الاجتثاث من بين شروطه لدعم نوري المالكي قبل توليه رئاسة الوزراء، وأن المالكي قبل به ووعد بإيلائه ما يستحق من اهتمام".

91 مقعدًا وتفسير دستوري: كيف نُقض حق الفائز؟

جرى الاقتراع في السابع من آذار (مارس) 2010 في جو مشحون من الصراعات، وانتهى إلى نتيجة لم يحسب أحد من أصحاب القرار حسابها.

يصف كريم يوم الاقتراع بأنه شهد "مشاركة واسعة من المقترعين في بيئة استنفار وتحفز ومنافسة غير مسبوقة بين قطبي الصراع: القائمة العراقية برئاسة الدكتور إياد علاوي، وقائمة ائتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي".

ويتوقف عند ما يعده سمة ميزت هذه الانتخابات عما سبقها، وهي أنها انعقدت بـ"قدر من الوعي والقلق بين أوسع الأوساط من المكونات غير (الشيعية الإسلاموية) لهيمنة التيار الطائفي المتشدد على السلطة والحيلولة دون إقامة الدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية في ظل القانون والحريات والمساواة".

وهذا القلق، كما يقول، "هو ما حفز انحياز الناخبين إلى القائمة العراقية بالرغم من تركيبتها المعقدة المثيرة للتساؤل يومذاك"، وهو تحفظ لا يخفيه كريم ولا يسحبه من قراءته.

ثم جاءت النتائج على خلاف الحسابات: 91 مقعدًا للقائمة العراقية، مقابل 89 لائتلاف دولة القانون، و70 مقعدًا للائتلاف الوطني العراقي (التحالف الشيعي)، و43 للتحالف الكردستاني.

وفي تقدير كريم أن هذه النتائج المفاجئة "أدخلت البلاد في إحدى أشد وأعقد الأزمات استعصاء، والأعمق أثرًا على وجهة تطور العراق، وعلى ما انتهى إليه من انحدار واختلال في التوازن وإقصاء وانفراد بالحكم وانتقاص من السيادة والاستقلال". ويقرأ كريم هذه النتائج في ضوء ما أعقبها من تطورات وأزمات.

وينتقل إلى المسار الذي كان ينبغي — عنده — أن يتبع: "كان يجب، في الحالة الطبيعية، أن يجري تكليف إياد علاوي بتشكيل الحكومة باعتبار قائمته هي الفائزة بأكبر عدد من المقاعد". غير أن المالكي "تمسك بالحق في تشكيلها اعتمادًا على قدرته على تشكيل (الكتلة الأكبر) من خلال تحالفه مع قوائم أخرى فائزة". وبهذا انتقل النزاع من عد المقاعد إلى تعريف الكتلة الأكبر، وهو انتقال يصفه كريم بأنه "كان مقصودًا لا عارضًا".

في 21 آذار (مارس) 2010 - قبل خمسة أيام من إعلان المفوضية نتائجها الرسمية - وُجه طلب رسمي إلى المحكمة الاتحادية العليا لتفسير المادة 76 من الدستور. وبعد أربعة أيام فقط، في 25 آذار (مارس)، أصدرت المحكمة قرارها رقم (25/اتحادية/2010)، الذي وقعه رئيسها آنذاك القاضي مدحت المحمود، وفي اليوم التالي مباشرة، 26 آذار (مارس)، أعلنت المفوضية النتائج التي وضعت العراقية أولًا بـ91 مقعدًا ودولة القانون ثانيًا بـ89. وهكذا كان السؤال الدستوري عن صاحب حق تشكيل الحكومة قد فُتح رسميًا بعد ظهور النتائج الأولية للانتخابات، وقبل الإعلان الرسمي لتلك النتائج.

وقبل بلوغ هذا التفسير، يسجل كريم محاولة أولى لنقض النتيجة من داخلها. فالمالكي — في تقديره — طعن بين آذار (مارس) وأيار (مايو) عام 2010 بالنتائج وطالب بإعادة عد الأصوات في صناديق الاقتراع، وأمرت السلطات القضائية بإعادة العد اليدوي لأصوات بغداد.

غير أن الحصيلة بعد فرز أحد عشر ألف صندوق انتخابي، يقول كريم إنها "لم تتغير جوهريًا، إذ بقيت العراقية متقدمة بمقعدين". وفي هذه الواقعة، كما يقرؤها، استنفدت الوسيلة الإجرائية من دون أن تغير شيئًا، فانتقل الضغط إلى مستوى آخر.

وقد جرت إعادة العد هذه فعليًا بأمر صدر في 19 نيسان (أبريل) 2010 عن الهيئة القضائية الانتخابية، وأشرفت عليها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات برئاسة فرج الحيدري، وأعلن المتحدث باسمها القاضي قاسم العبودي في منتصف أيار (مايو) إتمام الفرز اليدوي لأكثر من أحد عشر ألف محطة اقتراع في العاصمة من دون العثور على مؤشرات تزوير ذات شأن.

ولم يكن الاعتراض على حصيلة الاقتراع تقليدًا مستحدثًا في العملية السياسية، ولا كان أصحابه في 2010 هم أنفسهم أصحابه في المرة الأولى.

فبعد انتخابات الخامس عشر من كانون الأول (ديسمبر) 2005، وقفت القائمة العراقية الوطنية بزعامة إياد علاوي في الضفة المقابلة تمامًا، إذ شاركت — إلى جانب عشرات القوى المعترضة على النتائج — في تشكيل تجمع ضم أكثر من 35 كيانًا سياسيًا أطلق على نفسه اسم "مرام"، اختصارًا لـ"مؤتمر رفض الانتخابات المزورة"، وطالبت بالتحقيق في الخروقات وإعادة النظر في الحصيلة.

وبعد أربع سنوات تبادل الطرفان موقعيهما: صارت العراقية القائمة المتقدمة، وانتقل الاعتراض إلى دولة القانون. ثم لم تلبث الأزمة أن غادرت أرض الطعن بالنتائج إلى أرض أخرى، وهي أرضية النزاع على تفسير (الكتلة الأكبر) وحق تشكيل الحكومة.

يقول كريم إنه، "في مواجهة التحدي والإشكالية الدستورية، مارس المالكي ضغوطًا غير مسبوقة على القضاء، لإيجاد تفسير يجنب العملية السياسية اختراقًا مشبوهًا يعرض موقع الشيعة في الحكم إلى الخطر، كما يعتقد".

وقد وظف المالكي، في تقديره، "النزعات الطائفية للتحريض على رموز القائمة العراقية، بوصفها أداة تآمر بالرغم من أن طربوشها شيعي الانتماء"، قاصدًا بذلك إياد علاوي.

والتفسير الذي انتزع يومذاك لم يبق، في رأيه، محصورًا بالمنافسة مع المكون السني، لقد تحول إلى حارس أمين لسلطة "الطبقة الضيقة" التي انتهت لاحقًا إلى ما يسميه "خيمة الإطار التنسيقي وما انطوى فيها أو امتد خارجها من تنظيمات مسلحة".

أما الحسم نفسه فيؤرخه كريم بربيع 2010، حين "دخل القضاء على خط الصراع لتفسير (الكتلة الأكبر)، فصارت المادة 76 من الدستور إطارًا للأزمة وجرى تكييفها ليستقر المسار الدستوري عليه" - وهو القرار رقم (25/اتحادية/2010) المشار إليه أعلاه.

والمادة 76 من الدستور في بابها الأول تقول: "يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية".

وحصيلة ذلك، كما يوجزها كريم، إتاحة تشكيل الكتلة الأكبر لائتلاف دولة القانون داخل مجلس النواب، ونقض "حق القائمة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات". ويسمي ما جرى بتسميته: "هذا التخريج المكيف للدستور هو الذي مكن المالكي من تكوين تحالف برلماني يتجاوز العراقية".

ويصف كريم القاعدة بأنها "القاعدة الدستورية المخلة". وعلى هذه القاعدة، في روايته، أعاد المالكي تشكيل التحالف الشيعي بعد التقارب بين دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي - وهو تقارب تُوج رسميًا بعد صدور القرار بأسابيع قليلة، إذ أُعلن في الخامس من أيار (مايو) 2010 عن اندماج الكتلتين تحت اسم "التحالف الوطني"، الذي بلغ مجموع مقاعده مع قوى صغيرة أخرى 159 نائبًا.

غير أن التحالف المستعاد ولد عطبه معه. فكريم يرى أن المشكلة ظلت ملازمة له في صيغته الجديدة، حيث المالكي شخصيًا "صار موضع معارضة شديدة من المجلس الإسلامي الأعلى، وقابله رفض لا يقبل المرونة من التيار الصدري بسبب صولة الفرسان ومعارك 2008"، وهو رفض يقول إنه تكرس في الاستفتاء الداخلي الذي أجراه التيار في نيسان (أبريل) 2010، فضلًا عن "تمنع أطراف شيعية أخرى".

ويسوق كريم دليله من مستقبل لاحق على الواقعة تلك، إذ يرى أن الأمر انكشف عند فوز القائمة الصدرية بأغلبية المقاعد، "ما كان يمكنها من تشكيل الحكومة لولا التفسير المكيف للمادة 76 من الدستور".

وهو استطراد يقفز به من 2010 إلى ما بعدها بأكثر من عقد - إلى انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) 2021 تحديدًا، حين فاز التيار الصدري بـ73 مقعدًا من أصل 329، ليكون الكتلة الأكبر في البرلمان، قبل أن يحول "الثلث المعطل" دون تمكن زعيمه مقتدى الصدر من تشكيل حكومة أغلبية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني وحزب تقدم بزعامة محمد الحلبوسي، لينتهي الأمر باستقالة نواب كتلته الـ73 من البرلمان في حزيران (يونيو) 2022.

ويسند هذه القراءة إلى إقرار قضائي متأخر، إذ يشير إلى أن "القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، أعاد النظر في المسألة في مقالته حول الكتلة البرلمانية الأكثر عددًا، المنشورة في جريدة الشرق الأوسط اللندنية بتاريخ 3 آذار (مارس) 2026 تحت عنوان (خطيئة التفسير الخاطئ للدستور)".

غير أن كريم لا يقرأ التصحيح انتصارًا، فيقول إن "التفسير الصحيح جاء بعد ست عشرة سنة عجفاء"، وإن التصحيح المتأخر "هو الآخر اقترن الأخذ به بإرادة أقطاب القيادات الشيعية المتنافرة"، أي إن النص صحح بالآلية نفسها التي كُيف بها.

ويعدد كريم تداعيات ما يسميه "الخطيئة الدستورية": فقد تعرضت العملية السياسية "إلى أكثر من انتكاسة في شرعيتها"، وانتهى تدهورها إلى سقوط ثلث البلاد لتصبح "تحت هيمنة ولاية إرهابية باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام، داعش"، وتصدعت على أثر ذلك "الحواشي الرخوة لأركان الدويلة الخربة"، وأصيبت الإرادة الوطنية بالشلل، حتى انتهت الانتخابات التي فازت بها الكتلة الصدرية نفسها إلى الإخفاق في تشكيل الحكومة، "بإضافة خطيئة أخرى تمثلت بـ(الثلث المعطل) المستورد من الخزانة الولائية".


في الجزء القادم من الشهادة:

يروي فخري كريم كيف تحول استحقاق تشكيل الحكومة، بعد انتخابات 2010، إلى ساحة صراع دولي مكشوف امتد أكثر من ثمانية أشهر، خاضته واشنطن وطهران بسفاراتها ومكالماتها الرئاسية المباشرة أكثر مما خاضه العراقيون أنفسهم. يستعيد كريم اللحظة التي اتهم فيها الرئيس جلال الطالباني - عبر رسالة أميركية رسمية - بأنه "جاسوس إيراني"، ومكالمة هاتفية مباشرة من الرئيس باراك أوباما يطلب فيها منه التنحي لمصلحة إياد علاوي، ورحلة سرية إلى طهران للقاء قاسم سليماني وجهًا لوجه. شهادة عن اللحظة التي تقرر فيها من يحكم العراق فعليًا، بعيدًا عن صناديق الاقتراع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار