إيلاف من لندن : أعلنت إسرائيل، الأربعاء ، أن المغرب وإسرائيل اتفقا على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى مستوى السفارات، وتعيين سفيرين لدى البلدين، في خطوة جديدة في مسار العلاقات الثنائية الذي انطلق رسمياً من جديد في نهاية عام 2020.
وجاء الإعلان عقب لقاء جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر في نيويورك، في إطار لقاء ثلاثي رعاه السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.
وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن الدول الثلاث جددت تأكيد التزامها بمجموعة من الإجراءات الهادفة إلى تعزيز العلاقات بين المغرب وإسرائيل، وفي مقدمتها “رفع مستوى البعثتين الدبلوماسيتين المتبادلتين إلى مستوى سفارتين، وتعيين سفيرين”.
ويمثل الاتفاق، في حال تنفيذه، انتقالاً من صيغة مكاتب الاتصال التي اعتمدها البلدان منذ استئناف علاقاتهما في 2020، إلى تمثيل دبلوماسي كامل على مستوى السفارات.
في غضون ذلك ،توقع مصدر مطلع في اتصال مع " إيلاف " ان يتم البدء بذلك في اكتوبر المقبل .

السفير الاميركي لدى الامم المتحدة يتوسط الوزيرين بوريطة وساعر
وخلال اجتماع نيويورك،جددت واشنطن وتل أبيب اعترافهما بسيادة المغرب على صحرائه.كما اتفقت إسرائيل والمغرب على استكمال اتفاقيتين بشأن حماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي بحلول نهاية عام 2026، بما من شأنه تسهيل الاستثمارات المتبادلة ودفع العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين والشعبين قدمًا.
وتم الاتفاق كذلك على توسيع الرحلات الجوية بين إسرائيل والمغرب لتشمل رحلات تُسيّرها شركات طيران مغربية، على أن تدخل هذه الخطوة حيز التنفيذ بحلول نهاية عام 2026. كما تقرر إجراء زيارات متبادلة رفيعة المستوى بين البلدين خلال الأشهر المقبلة.
واعربت اسرائيل عن تقديرها للولايات المتحدة على قيادتها وجهودها المتواصلة من أجل السلام والأمن، والتي أتاحت عقد هذه القمة الثلاثية وأسهمت في تعزيز العلاقات بين إسرائيل والمغرب.
وجاءت قمة نيويورك غداة فعالية أقامها السفير والتز في مقر إقامته بمناسبة الذكرى السادسة لاتفاقيات أبراهام، بمشاركة ممثلين عن الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب وكازاخستان وإسرائيل والولايات المتحدة.
وقال وزير الخارجية الاسرائيلي :"الصداقة بين الشعبين المغربي واليهودي ضاربة بجذورها عميقًا في التاريخ، ولها إرث غني.والإعلان الذي وقعناه اليوم يرسم خطوات عملية للارتقاء بالعلاقات بين إسرائيل والمغرب بما يخدم مصلحة الشعبين، وسنعمل على تنفيذه».
علاقات تعود إلى تسعينيات القرن الماضي
العلاقات المغربية - الإسرائيلية ليست وليدة اتفاق 2020. فقد أقام المغرب وإسرائيل مكاتب اتصال في الرباط وتل أبيب سنة 1994، في سياق إقليمي اتسم آنذاك بمحاولات دفع عملية السلام العربية - الإسرائيلية إلى الأمام، ولا سيما بعد اتفاقات أوسلو.
وشكلت مكاتب الاتصال، التي كانت أقل من مستوى السفارات، قناة رسمية للتواصل بين الجانبين،وفتحت المجال أمام اتصالات سياسية واقتصادية وسياحية وإنسانية.لكن هذه المرحلة لم تستمر طويلاً. ففي سنة 2000، وبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وتدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، قرر المغرب إغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، فيما أغلقت إسرائيل مكتب الاتصال المغربي في تل أبيب. وبذلك توقفت العلاقات الرسمية المباشرة بين البلدين على مدى نحو عقدين.
ومع ذلك، لم تختفِ الاتصالات غير الرسمية تماماً، وظلت الروابط التاريخية والثقافية بين المغرب واليهود من أصل مغربي حاضرة، كما استمرت قنوات اتصال في ملفات مختلفة.
10 ديسمبر 2020.. الإعلان عن استئناف العلاقات
دخلت العلاقات المغربية - الإسرائيلية مرحلة جديدة في 10 ديسمبر 2020،عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن المغرب وإسرائيل اتفقا على تطبيع العلاقات واستئناف الاتصالات الرسمية،في إطار موجة اتفاقات التطبيع العربية - الإسرائيلية التي رعتها الإدارة الأميركية في ذلك العام.
وفي اليوم نفسه،أعلن المغرب استئناف العلاقات مع إسرائيل،على أساس استئناف الاتصالات الرسمية،وإعادة فتح مكاتب الاتصال،والتوجه نحو إقامة علاقات دبلوماسية كاملة.
وكان الإعلان الأميركي مرتبطاً أيضاً بقرار واشنطن الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، وهو ما شكل عنصراً مهماً في الاتفاق الثلاثي الذي أعاد إطلاق العلاقات بين الرباط وتل أبيب.
وفي 22 ديسمبر 2020،زار وفد أميركي - إسرائيلي رفيع المستوى الرباط ،وجرى توقيع إعلان ثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل،أكد الالتزام بتطوير العلاقات الثنائية، وإعادة فتح مكاتب الاتصال، وتعزيز التعاون الاقتصادي والسياحي،والعمل باتجاه إقامة علاقات دبلوماسية كاملة.
وكان ذلك بمثابة الإطار الرسمي الذي أعاد العلاقات المغربية - الإسرائيلية إلى مسارها بعد قطيعة استمرت حوالي عشرين عاماً.
استئناف عمل مكاتب الاتصال
في فبراير 2021، استؤنف العمل بمكتب الاتصال المغربي في إسرائيل، مع وصول رئيس المكتب المغربي عبد الرحيم بيوض إلى إسرائيل، في خطوة اعتبرت مؤشراً عملياً على عودة العلاقات الرسمية بين الرباط وتل أبيب.
وفي يوليو من العام نفسه، أطلقت شركات طيران إسرائيلية رحلات مباشرة بين تل أبيب ومراكش، فيما شهدت الأشهر التالية توقيع عدد من الاتفاقات الثنائية.
وفي أغسطس 2021، زار وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك يائير لبيد المغرب، وافتتح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط. وخلال الزيارة أعلن أن البلدين يتجهان إلى رفع مستوى العلاقات إلى مستوى السفارات خلال شهرين.
غير أن هذا الانتقال لم يتم في ذلك الوقت، وظلت العلاقات خلال السنوات التالية قائمة أساساً على مستوى مكاتب الاتصال.
وفي نوفمبر 2021، وقع المغرب وإسرائيل اتفاقاً للتعاون الدفاعي، في مؤشر على اتساع نطاق العلاقات الثنائية ليشمل المجالات الأمنية والعسكرية، إلى جانب السياسة والاقتصاد والسياحة والثقافة.
اتفاق 2026.. تنفيذ مؤجل منذ خمس سنوات
ويعيد إعلان سبتمبر 2026 طرح مسألة رفع العلاقات إلى مستوى السفارات، التي كانت قد أثيرت بشكل واضح منذ زيارة لبيد إلى الرباط عام 2021.
لكن الفارق هذه المرة هو أن الإعلان الإسرائيلي يتحدث عن اتفاق بين الطرفين على تحويل البعثتين إلى سفارتين وتعيين سفيرين، وليس مجرد نية أو توجه مستقبلي.
وبحسب الإعلان الإسرائيلي، فإن الاتفاق تم في لقاء جمع بوريطة وساعر في نيويورك، بحضور السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، في صيغة ثلاثية تعكس استمرار الدور الأميركي في مسار العلاقات المغربية الإسرائيلية منذ استئنافها في ديسمبر 2020.
وتشير تقارير صحافية إلى أن التفاهمات الجديدة لا تقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل تشمل أيضاً تطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري وزيادة الرحلات الجوية وتنظيم زيارات رفيعة المستوى، إلى جانب بحث اتفاقات في مجالات الاستثمار والضرائب.
العلاقات في سياقها الإقليمي
جاء استئناف العلاقات المغربية - الإسرائيلية سنة 2020 في إطار ما عرف باتفاقات أبراهام، التي شملت في ذلك العام الإمارات والبحرين والسودان، إلى جانب المغرب في مسارات مختلفة.
وأعطت هذه الاتفاقات دفعاً للعلاقات الإسرائيلية مع عدد من الدول العربية، لكنها جاءت في الوقت نفسه وسط استمرار النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، وهو الملف الذي ظل يلقي بظلاله على علاقات إسرائيل مع العالم العربي.
أما المغرب، فقد حافظ في مواقفه الرسمية على تأكيد دعمه للقضية الفلسطينية ولحل الدولتين، مع استمرار علاقاته مع إسرائيل بعد قرار استئنافها في 2020.
من جهة أخرى، اكتسبت العلاقات المغربية - الإسرائيلية خصوصية إضافية بسبب الحضور التاريخي لليهود المغاربة في إسرائيل، إذ يشكل اليهود من أصول مغربية إحدى أكبر الجاليات اليهودية ذات الأصول العربية، وهو عامل أسهم في وجود روابط اجتماعية وثقافية وإنسانية عابرة للحدود.
من مكاتب الاتصال إلى السفارات
وبذلك يمكن اختزال المسار الدبلوماسي المغربي الإسرائيلي خلال أكثر من ثلاثة عقود في أربع محطات رئيسية:
1994: إقامة مكاتب اتصال بين المغرب وإسرائيل.
2000: إغلاق مكاتب الاتصال في الرباط وتل أبيب في أعقاب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
10 ديسمبر2020: الإعلان عن استئناف العلاقات الرسمية في إطار الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة.
22 ديسمبر 2020: توقيع الإعلان الثلاثي المغربي -الأميركي -الإسرائيلي في الرباط، وإعادة إطلاق العلاقات الرسمية ومكاتب الاتصال.
2021: إعادة فتح مكاتب الاتصال وتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، مع إعلان إسرائيلي عن نية الانتقال إلى مستوى السفارات.
16 سبتمبر 2026: الإعلان عن اتفاق جديد لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى سفارتين وتعيين سفيرين.
وهكذا، فإن إعلان نيويورك لا يؤسس العلاقات المغربية -الإسرائيلية من جديد، وإنما يمثل، وفق ما أعلنته إسرائيل، مرحلة جديدة في مسار بدأ باستئناف العلاقات في نهاية 2020، ويتجه الآن إلى الانتقال من التمثيل عبر مكاتب الاتصال إلى العلاقات الدبلوماسية الكاملة على مستوى السفارات.


