: آخر تحديث
خطاب السلام يجاور قلقاً واسعاً من العقوبات والمعيشة والإنتاج

صحف طهران: سلامٌ من موقع القوة مع الخارج.. ومعركة داخلية أشد قسوة تبدأ من الاقتصاد

4
4
3

إيلاف من لندن: لا تبدو الصحافة الإيرانية الصادرة السبت 22 أغسطس (آب) 2026 منشغلة فقط بالسؤال عن موعد انتهاء الحرب، بقدر انشغالها بالسؤال الأصعب: كيف تنتهي من دون أن تتحول نهايتها إلى صورة تراجع؟ وكيف تحافظ طهران على رواية «القوة» في اللحظة التي تنتقل فيها المواجهة سريعاً إلى الاقتصاد والمعيشة والطاقة والإدارة الداخلية؟

وتستند هذه القراءة إلى الصفحات الأولى لـ24 صحيفة إيرانية صادرة اليوم، كما ظهرت في الأغلفة التي جمعتها «جماران». وهي ترصد ما اختارته الصحف لعناوينها وصورها وأولوياتها، ولا تتبنى بوصفها حقائق مستقلة الروايات السياسية أو العسكرية التي صاغتها كل صحيفة.

ما يجمع هذه الأغلفة ليس موقفاً واحداً متطابقاً، بل شبكة من الأسئلة المتداخلة. فهناك تيار واسع يريد أن يضع السلام تحت سقف «القوة والعزة»، وهناك صحف اقتصادية تكاد تقول صراحة إن الحرب لم تنته، وإنما تبدلت أدواتها. وفي المقابل، تفرض ملفات الغذاء والطاقة والرواتب والتعليم والتقاعد حضورها على الصفحات الأولى، وكأن الداخل الإيراني يطالب بحصته من أي حديث عن «النصر» أو «ما بعد الحرب».

سلام القوة

كان أوضح خيط جامع بين عدد كبير من الأغلفة هو البحث عن صيغة تنهي الحرب من دون التخلي عن مفردات القوة والعزة والانتصار.

«اعتماد» اختصرت هذا المزاج بعنوانها الرئيسي «سلام من موقع القوة»، واضعة الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في قلب المشهد. وبحسب ما أبرزته الصحيفة، يذهب بزشكيان إلى أن اللحظة الأفضل لإنهاء الحرب هي اللحظة التي تكون فيها البلاد قوية، فيما يرفض قاليباف اختزال السلام في الاستسلام، مؤكداً أن الاعتراض ليس على السلام نفسه، بل على سلام يفقد البلاد موقعها أو مكاسبها.

غلاف «اعتماد» — السلام من موقع القوة يتصدر الصفحة الأولى.

غلاف «اعتماد» — السلام من موقع القوة يتصدر الصفحة الأولى.

الأهمية هنا لا تكمن في الدعوة إلى إنهاء الحرب فحسب، بل في محاولة إعادة تعريف معنى السلام داخل الخطاب الإيراني. فالمفردة التي قد تبدو في زمن الحرب مرتبطة بالتراجع أو القبول بشروط الخصم، يعاد تقديمها اليوم بوصفها خياراً ممكناً إذا جرى تحت سقف القوة.

«همدلي» حملت المعنى نفسه بصيغة مباشرة: «من الأفضل أن ننهي الحرب بعزة». أما «أبرار» فذهبت إلى صياغة أكثر صرامة، حين أبرزت أن الأفضل إنهاء الحرب «في ذروة القوة والعزة».

غلاف «همدلي» — دعوة إلى إنهاء الحرب «بعزة».

غلاف «همدلي» — دعوة إلى إنهاء الحرب «بعزة».

غلاف «أبرار» — إنهاء الحرب في ذروة القوة والعزة.

غلاف «أبرار» — إنهاء الحرب في ذروة القوة والعزة.

وفي «جمهوري إسلامي» ظهر تصريح بزشكيان بصيغة مشابهة: «اليوم، ونحن في موقع قوة وعزة، من الأفضل أن نضع الحرب أوزارها». وتكرر المعنى في «آرمان ملي» تحت عنوان مباشر يدعو إلى إنهاء الحرب، فيما أعادت «شرق» إدخال محمد خاتمي إلى المشهد تحت عنوان «سلام من موقع القوة»، في إشارة إلى اتساع النقاش حول شروط التهدئة داخل المجال السياسي الإيراني.

غلاف «جمهوري إسلامي» — بزشكيان يدعو إلى إنهاء الحرب من موقع القوة والعزة.

غلاف «جمهوري إسلامي» — بزشكيان يدعو إلى إنهاء الحرب من موقع القوة والعزة.

غلاف «آرمان ملي» — «لننهِ الحرب» في صدارة الصفحة.

غلاف «آرمان ملي» — «لننهِ الحرب» في صدارة الصفحة.

غلاف «شرق» — محمد خاتمي و«سلام من موقع القوة».

غلاف «شرق» — محمد خاتمي و«سلام من موقع القوة».

«اطلاعات» دفعت بهذا المنطق خطوة إضافية إلى الأمام، إذ أبرزت الدعوة إلى إنهاء الحرب «بصفتنا منتصرين في الميدان». وفي هذا النوع من الصياغات يصبح السلام ليس مجرد نتيجة للمواجهة، بل تتويجاً مفترضاً لها.

غلاف «اطلاعات» — إنهاء الحرب بوصف إيران «منتصر الميدان».

غلاف «اطلاعات» — إنهاء الحرب بوصف إيران «منتصر الميدان».

وتظهر «صبح نو» و«رسالت» و«قدس» في الجهة الأكثر تشدداً من المشهد: السلام لا يُفصل عن الردع، والعقوبات لا تُقرأ بوصفها ضغطاً اقتصادياً محايداً، بل امتداداً للمواجهة. أما «كيهان» فتشكك بجدوى التفاهمات وتصر على أن أي تسوية لا تُقاس بالتصريحات بل بما تفرج عنه فعلياً من موارد وقدرة على كسر الحصار.

غلاف «صبح نو» — الحرب والعقوبات والردع في قلب السجال السياسي.

غلاف «صبح نو» — الحرب والعقوبات والردع في قلب السجال السياسي.

غلاف «قدس» — سؤال العقوبات: لإنهاء الحرب أم لاستمرارها؟

غلاف «قدس» — سؤال العقوبات: لإنهاء الحرب أم لاستمرارها؟

غلاف «كيهان» — تشكيك في التفاهمات ومطالبة بنتائج ملموسة.

غلاف «كيهان» — تشكيك في التفاهمات ومطالبة بنتائج ملموسة.

النتيجة التي ترسمها هذه المجموعة من الأغلفة واضحة: السلام لم يعد كلمة ممنوعة، لكنه ما زال بحاجة إلى غطاء من القوة. وكلما اقتربت الصحف من فكرة إنهاء المواجهة، شددت أكثر على أن ذلك لا يعني الاعتراف بالهزيمة.

حرب الاقتصاد

إذا كانت بعض الصحف تحاول أن تجد صيغة سياسية تحفظ معنى القوة عند نهاية الحرب، فإن الصحف الاقتصادية تبدو أقل انشغالاً باللغة وأكثر انشغالاً بالكلفة.

«تعادل» ذهبت مباشرة إلى عنوان «الحرب الاقتصادية بعد الفشل العسكري»، ثم وضعت في قلب الصفحة عنواناً آخر أكثر ارتباطاً بحياة الناس: «المعركة الرئيسية في ميدان التضخم والمعيشة». هذا التحول مهم؛ فبدلاً من التعامل مع الاقتصاد بوصفه نتيجة جانبية للحرب، يعاد تقديمه هنا بوصفه ساحة الحرب الجديدة نفسها. العقوبات، التضخم، سعر العملة، تمويل الإنتاج، الأسعار وسوق المال تتحول من مؤشرات اقتصادية إلى أدوات مواجهة.

غلاف «تعادل» — «الحرب الاقتصادية» و«ميدان التضخم والمعيشة».

غلاف «تعادل» — «الحرب الاقتصادية» و«ميدان التضخم والمعيشة».

«رسالت» اختارت صياغة أكثر تعبئة تحت عنوان «فخاخ العدو في ساحة الاقتصاد»، بينما ربطت الضغوط المالية باستراتيجية أميركية أشمل. وفي «هم‌ميهن» تحولت صورة دونالد ترامب إلى غلاف صدامي تحت عنوان «مسدس العقوبات الفارغ»، في محاولة لتقويض صورة القوة الأميركية وإظهار التصعيد الاقتصادي بوصفه أداة تهديد أكثر منه حسم.

غلاف «رسالت» — «فخاخ العدو في ساحة الاقتصاد».

غلاف «رسالت» — «فخاخ العدو في ساحة الاقتصاد».

غلاف «هم‌ميهن» — «مسدس العقوبات الفارغ» وصورة ترامب.

غلاف «هم‌ميهن» — «مسدس العقوبات الفارغ» وصورة ترامب.

أما «إيران»، الصحيفة الحكومية، فتضع مهمة أمام السلطة بدل الاكتفاء بوصف التهديد: «لنجعل الانتصارات العسكرية جسراً إلى الإنجازات الاقتصادية». الصياغة تكشف فجوة ضمنية؛ فإذا كانت «الانتصارات العسكرية» قد تحققت وفق الرواية الرسمية، فإن التحدي التالي هو إظهار نتائجها في الاقتصاد.

غلاف «إيران» — دعوة إلى تحويل «الانتصارات العسكرية» إلى إنجازات اقتصادية.

غلاف «إيران» — دعوة إلى تحويل «الانتصارات العسكرية» إلى إنجازات اقتصادية.

«آرمان امروز» اختصرت الانتقال بعنوان يضع «الحرب الاقتصادية» في قلب المرحلة التالية، فيما يظهر في «سازندگي» السؤال الأكثر خشونة: ماذا يحدث إذا وصلت صادرات النفط إلى الصفر؟ وفي «جهان صنعت» و«كار و كارگر» و«جهان اقتصاد» تتحول الأسئلة من العقوبات نفسها إلى آثارها: تكلفة الغذاء، تمويل الإنتاج، الغاز، الكهرباء والركود.

غلاف «آرمان امروز» — «الحرب الاقتصادية» بوصفها امتداداً للمواجهة.

غلاف «آرمان امروز» — «الحرب الاقتصادية» بوصفها امتداداً للمواجهة.

ضغط المعيشة

وسط كل الحديث عن الردع والانتصار والعقوبات، تدخل حياة الإيرانيين اليومية إلى الصفحات الأولى بقوة لا يمكن تجاهلها.

«جهان صنعت» قدمت واحداً من أثقل أرقام اليوم: كلفة سلة غذائية ثابتة ارتفعت 18 مرة خلال ست سنوات. وجود الرسم البياني الكبير على الصفحة الأولى يحول الرقم إلى رسالة سياسية واجتماعية، لا مجرد مادة اقتصادية. فالناس لا يقيسون القوة الوطنية فقط بميزان السلاح، بل بمقدار ما بقي من دخلهم في نهاية الشهر.

غلاف «جهان صنعت» — ارتفاع كلفة السلة الغذائية بنحو 18 مرة خلال ست سنوات.

غلاف «جهان صنعت» — ارتفاع كلفة السلة الغذائية بنحو 18 مرة خلال ست سنوات.

«مردم سالاري» ربطت القوة الوطنية مباشرة بمائدة المواطنين، تحت عنوان يفيد بأن «مائدة الناس ضمانة القوة الوطنية». وفي اقتصاد يعاني من تضخم وضغوط على الدخل، تصبح هذه العبارة اعترافاً بأن اختبار الدولة لا يقع فقط عند الحدود.

غلاف «مردم سالاري» — «مائدة الناس ضمانة القوة الوطنية».

غلاف «مردم سالاري» — «مائدة الناس ضمانة القوة الوطنية».

وفي «كار و كارگر» تأتي الضربة من جهة الإنتاج: كلفة تمويل الإنتاج في إيران تعادل خمسة إلى عشرة أمثال المتوسط العالمي. وحين يصبح التمويل بهذه الكلفة، لا تعاني الشركات فقط، بل يتقلص هامش قدرتها على التوسع والتوظيف والإنتاج، ثم يعود الضغط إلى المستهلك في صورة أسعار أعلى وفرص أضعف.

غلاف «كار و كارگر» — كلفة تمويل الإنتاج أعلى بكثير من المتوسط العالمي.

غلاف «كار و كارگر» — كلفة تمويل الإنتاج أعلى بكثير من المتوسط العالمي.

«سازندگي» تطرح السيناريو الأكثر قتامة عبر عنوان «صادرات النفط: صفر». العنوان يناقش احتمالاً لا واقعاً متحققاً، لكنه يضع السؤال في أقصى حدوده: كيف تمول الدولة التجارة والإنتاج والمعيشة إذا جفت عائدات النفط أو ضاقت قنوات تصديره بشدة؟

غلاف «سازندگي» — سيناريو «صادرات النفط: صفر».

غلاف «سازندگي» — سيناريو «صادرات النفط: صفر».

اختناق الطاقة

الطاقة ليست هامشاً في أغلفة اليوم، بل تظهر بوصفها واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية. «جهان اقتصاد» جعلت الغاز موضوعها البصري الأكبر، مع تقرير عن منشآت الغاز بعد الحرب في الخليج، إلى جانب اختلالات الماء والكهرباء وأثرها في الزراعة. وتظهر على الصفحة نفسها إشارات إلى الركود وسوق البنزين، بما يربط الطاقة مباشرة بالإنتاج والمعيشة.

غلاف «جهان اقتصاد» — الغاز والكهرباء والماء في قلب الضغط الاقتصادي.

غلاف «جهان اقتصاد» — الغاز والكهرباء والماء في قلب الضغط الاقتصادي.

وفي «جمهوري إسلامي» ظهر أعلى الصفحة عنوان عن عجز الكهرباء، بما يكشف استمرار فجوة في منظومة الطاقة. فليس ممكناً الحديث عن إنتاج أقوى إذا كانت المصانع تواجه نقصاً في الكهرباء، ولا عن استقرار معيشي إذا بقيت الطاقة عرضة للانقطاعات والاختناقات.

وفي «فرهيختگان» و«جام جم» تظهر ملفات إعادة الإعمار والبنى العامة والإدارة، لتضيف بعداً آخر إلى المعادلة: الدولة لا تواجه فقط كلفة الحرب والعقوبات، بل أيضاً كلفة إصلاح ما تعطّل وتحديث ما كان يعاني أصلاً من اختلالات مزمنة.

غلاف «فرهيختگان» — ملفات الداخل وإعادة البناء بعد الحرب.

غلاف «فرهيختگان» — ملفات الداخل وإعادة البناء بعد الحرب.

غلاف «جام جم» — قضايا الإدارة والإعلام والحياة العامة إلى جانب الحرب.

غلاف «جام جم» — قضايا الإدارة والإعلام والحياة العامة إلى جانب الحرب.

امتحان التعليم

على هامش المعركة الكبرى، يظهر جيل كامل يعيش معركة من نوع آخر: امتحان القبول الجامعي الوطني. «جمهوري إسلامي» خصصت مساحة بارزة وصورة كبيرة للامتحانات، مشيرة إلى مشاركة أكثر من مليون متقدم. أما «اطلاعات» فأبرزت تقدم النساء في هذا الامتحان، في زاوية تضيف بعداً اجتماعياً إلى مجرد أرقام المشاركين.

وفي «شرق» يظهر عنوان «عام صعب لطلاب الكونكور»، فيما تذهب «فرهيختگان» إلى تفاصيل مرتبطة بالنتائج والجامعات. حضور التعليم بهذه الكثافة مهم لأنه يكشف أن الحياة الإيرانية لم تتجمد تحت وطأة الحرب؛ هناك أسر وطلاب ومستقبل جامعي ومنافسة اجتماعية تستمر في الوقت نفسه.

جبهة الداخل

بعض الصحف تذهب أبعد من الاقتصاد، لتقول إن المشكلة في الداخل ليست فقط في الأسعار، بل في الإدارة نفسها. «خراسان» تضع أزمة المتقاعدين في موقع متقدم تحت عنوان «قسوة على المتقاعدين»، وفي اقتصاد يعاني من التضخم يصبح المتقاعد من أكثر الفئات تعرضاً للضغط لأن دخله الثابت يتأخر عن اللحاق بالأسعار.

غلاف «خراسان» — أزمة المتقاعدين وملفات الإدارة في الواجهة.

غلاف «خراسان» — أزمة المتقاعدين وملفات الإدارة في الواجهة.

«هفت صبح» تفتح ملفاً مختلفاً عن «المديرين غير المرئيين» وملفات شبكات إدارة تعمل خلف الواجهات الرسمية، إلى جانب ملف عمال يعملون في ظروف قاسية. هذا النوع من التحقيقات ينقل الحديث من فساد فردي إلى سؤال بنيوي: من يدير فعلياً؟ ومن يملك النفوذ؟

غلاف «هفت صبح» — «المديرون غير المرئيين» وملفات العمل والإدارة.

غلاف «هفت صبح» — «المديرون غير المرئيين» وملفات العمل والإدارة.

«جام جم» تذهب إلى مجال الإعلام الوطني ومحاولات صناعة منافسين له، فيما تطرح «شرق» و«اعتماد» أسئلة عن النفوذ والمؤسسات والبرلمان. وهكذا لا يبدو الداخل الإيراني خلفية هادئة خلف السياسة الخارجية، بل مساحة مليئة بالاحتكاكات: متقاعدون، موظفون، طلاب، مديرون، إعلام، فساد، ونقاش حول توزيع النفوذ.

الإقليم يتحرك

رغم هيمنة الاقتصاد والداخل، بقيت المنطقة حاضرة في الأغلفة، وخصوصاً العراق ولبنان وإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة. «جام جم» رفعت عنواناً عن أن إيران والعراق «حليفان دائمان»، في صياغة تعكس الطريقة التي تريد بها الصحيفة تقديم بغداد داخل المجال الاستراتيجي الإيراني.

وفي «رسالت» حضرت رسائل مرتبطة بدعم إيران لحلفائها في المنطقة، فيما ظهرت في أغلفة أخرى عناوين متصلة بلبنان وبالقوى الإقليمية. «مردم سالاري» اختارت صورة حاملة طائرات أميركية وعنواناً عن «استنزاف العمالقة البحرية الأميركية»، في استمرار لرواية تقول إن التفوق الأميركي ليس مطلقاً وأن كلفته ترتفع.

كما تظهر تركيا وإسرائيل في عناوين جانبية على أكثر من غلاف، فيما تعود الولايات المتحدة والعقوبات في كل مرة تقريباً إلى قلب المشهد. الخريطة التي ترسمها هذه الصفحات مترابطة: العراق ولبنان والخليج وتركيا وإسرائيل والوجود الأميركي كلها عناصر في تصور إيراني أوسع عن الأمن والردع.

ما وراء الحرب

وتبقى مجموعة من الملفات التي لا تستحق كل منها محوراً مستقلاً، لكنها تكمل صورة اليوم. السكن والإيجارات يظهران بوصفهما ضغطاً اجتماعياً إضافياً، مع حديث في «تعادل» عن مستأجرين تدفعهم الأسعار إلى هوامش المدن. كما تظهر ملفات تهريب الوقود، الفساد، الإدارة البلدية، الثقافة والرياضة.

هذه العناوين مهمة لأنها تمنع الجولة من التحول إلى تقرير عن السياسة وحدها. الصفحة الأولى الإيرانية اليوم ليست جبهة حرب واحدة، بل خليط من الحرب والأسعار والامتحانات والطاقة والإدارة والحياة اليومية.

قراءة إيلاف

الخلاصة الأوضح من هذه الأغلفة أن الصحافة الإيرانية دخلت فعلياً في نقاش «اليوم التالي»، حتى وإن لم تستخدم هذا التعبير صراحة. القصة لم تعد فقط: هل تنتصر إيران أم تتراجع؟ بل: ما الذي يعنيه «الانتصار» إذا استمرت الأسعار في الصعود؟ وما قيمة الردع إذا بقي الإنتاج مكلفاً والطاقة تحت الضغط؟ وكيف يمكن للسلطة أن تطلب من المجتمع الاحتفاء بالقوة إذا لم يشعر المواطن بفرق في مائدته أو دخله أو مستقبله؟

لهذا تبدو دعوات إنهاء الحرب «من موقع القوة» جزءاً من معركة سياسية على السردية. إنها محاولة لضمان ألا تتحول التهدئة إلى اعتراف بتراجع. لكن الصفحات الاقتصادية والاجتماعية تضغط في الاتجاه الآخر، وتقول شيئاً أبسط وأقسى: قوة الدولة ستُختبر في نهاية المطاف في قدرتها على حماية العملة والغذاء والطاقة والعمل والتعليم.

وفي هذا المعنى، فإن أكثر ما يكشفه صباح الصحافة الإيرانية ليس أن الحرب أوشكت على النهاية، بل أن شكل الحرب تغيّر: من الصواريخ إلى الأسعار، ومن الجبهات إلى المصانع، ومن الردع العسكري إلى قدرة الأسر على الاحتمال.

وهنا يبدأ الامتحان الأصعب: هل تستطيع إيران تحويل خطاب القوة إلى استقرار داخلي، أم أن «ما بعد الحرب» سيصبح اسماً جديداً لحرب اقتصادية أطول؟


 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار