: آخر تحديث

بعد اعتراض مكة: الخط الأحمر الذي حُمي والخط الذي لم يُقَس

3
3
2

حرمة البلد الحرام ليست بندًا في بيان عسكري. هي في الدين مما لا يُوزَن بسعر برميل ولا بمقعد جزيرة. "ربِّ اجعل هذا البلد آمنًا" دعاء إبراهيم قبل أن تكون سياسة دولة، والأشهر الحرم وحدّ القتال عند المسجد الحرام في النص مما ثبّت في ضمير الأمة أن مكة ليست ساحة كسائر الساحات. من استخفّ بهذا الحدّ لم يختلف معه في تقدير قوة. اختلف في أصل المعيار.

لذلك كان مساء الثلاثاء 15 أيلول (سبتمبر) حقًا أن تنقبض الصدور. أعلن التحالف أن قوات الدفاع الجوي الملكي اعترضت مسيّرة جنوب مكة قبل المجال المحظور، وعدّها المحاولة الثانية بعد صاروخ 27 تموز (يوليو) 2017. الحوثي نفى أن يكون الحرم هدفًا وقال إن عملياته على منشآت وقواعد. منظمة التعاون الإسلامي دانت المساس بمكة والمدينة. إنذار قصير رُفع. الحرم لم يُصب. هذا إنفاذ للخط الأحمر في بابه: ما لا يُعوَّض حُمي في هذه الجولة. الغيرة هنا ليست فائض خطاب. هي شاهد أن المعيار ما زال حيًّا في الدولة التي وليت خدمة الحرمين.

من وقف عند الغضب وحده أدّى حق العاطفة ولم يؤدِّ حق الرصد. السنة لا تمنع الفقه، تطلبه. حرمة مكة تُسأل بعدها: لماذا عادت النار إلى أفق الحرم بعد هدنة طالت؟ ومن أي كرسي يُطلق إن لم يكن الكرسي هو المسجد؟ وما الخط الذي لم يُحسم بعد أن حُسم خط السماء فوق البلد الآمن؟

ما غُطّي وما سُكت عنه

المغطّى في المنصات: مكة، والاعتراض، والسقوط الحتمي للفاعل، ونفي صنعاء، وتفصيل السباب. هذا لازم في ساعة الحرمة. غير المغطّى أن الحادثة طبقة فوق أسبوع عقدتين، لا حادثة يتيمة.

بين 10 و11 أيلول (سبتمبر) أُخذت المخا، ودُفع نحو باب المندب، وجزيرة ميون/بريم في جوف المضيق، وجزر حنيش. الحكومة المعترف بها انسحبت ثم أعلنت استردادًا محدودًا في جنوب غرب تعز. باب المندب ليس خبرًا بحريًا. هو الشريان الذي صارت عليه صادرات المملكة بعد أن ضاق هرمز في حرب أميركا وإيران منذ شباط (فبراير). من جلس على ميون جلس على طريق البديل. الصاروخ والمسيّرة في اتجاه المدن — بما فيها أفق مكة — يأتيان بعد أن تغيّر الكرسي على الساحل لا قبله.

في الأسبوع ذاته أُصيب مسار الأنبوب الشرق–الغرب الذي كان يلتف على هرمز، وأُجّل لقاء خليجي–إيراني في عُمان كان يبحث ممرًا مؤقتًا، وطُلبت ضربات أميركية فلم تقع، وبقيت الاستخبارات. يوم الاعتراض هبطت طائرة حكومية إيرانية في الرياض. النار والتفاوض في ساعة. من روى "استهداف مكة" ولم يروِ ميون والأنبوب وهرمز روى النصف الذي يُبكي، وترك النصف الذي يُسعَّر ويُساوَم.

الحرمة لا تُلغى، ولا تُغني عن الأداة

في السيرة والمغازي حُفظ للحرم قدره حتى في الخصومة. ليس المعنى أن الدولة تكفّ يدها. المعنى أن المعيار يسبق السلاح: الحرم غاية تُحمى، لا أداة تُستعمل. الدفاع الجوي إذ أسقط المسيّرة أدّى هذا الترتيب. الخلط يبدأ حين يُظن أن أداء هذا الترتيب مرةً يُنهي فاعلًا يملك منصة على المضيق وإمدادًا عبر حرب أكبر.

الصبر الاستراتيجي بعد 2022 كان خفض كلفة لا نزع سلاح. أنتج هدوءًا حدوديًا. لم يُنهك من عاد في 2026 ليُمسك شريان البديل. الإنهاك الكامل ليس ثمرة غضب مشروع. ثمرته إن كُسرت منصة أو إمداد أو عقدة. حتى ذلك الحين "سيسقطون لا محالة" رجاء لا رصد. الرصد يقول: الحرم حُمي، والساحل لم يُسترد، وهرمز لم يُفتح، والإطلاق على العمق لم يسكن.

سرد "المحاولة الثانية" نفسه يحتاج ضبطًا. تشرين الأول (أكتوبر) 2016 في السجل الدولي اعتراض قرب منطقة مكة، والحوثي يومها قال مطار جدة. إغفال الرقم لا يخدم الحرمة. الحرمة تستغني عن المبالغة لأنها أثقل من العدد.

ثلاثة خطوط لا خط واحد

خط الحرم: معيار الأمة ودولة الخدمة. في 15 أيلول (سبتمبر) إنفاذه نجح.

خط المضيق: معيار سوق وطاقة وسيادة تصدير. لم يُحسم. الحصار على الشحن السعودي معلن، وميون في اليد التي أخذتها إلا أن يتغيّر العلم.

خط الطاولة: معيار تفاوض هرمز. أُجّل غضبًا وبقيت قناة.

العاطفة الصادقة تقف على الخط الأول ولا تسرق من الثاني والثالث اسم النصر. من جعل سقوط المسيّرة نهاية الملف جعل مكة أصغر مما هي: كأنها غاية الحرب لا أمانًا فوق الحرب. مكة أكبر من أن تُختزل راية جولة. لذلك تُحمى أولًا، ثم يُسأل أين يجلس من أطلق، وبأي شرعية يتكلم على المقدّس وهو يمسك مضيق المسلمين ومضيق الأسواق معًا.

عتبات ثلاثين يومًا

لا ندخل النيات. نرصد أربعة معالم:

هل بقي العلم على ميون كما رُوي في 10–11 أيلول (سبتمبر)؟

هل عادت طاولة الممر في هرمز أم طال التأجيل؟

هل تكرّر إنذار مكة أم بقيت حادثة ليلة واحدة؟

هل هبط إيقاع الإطلاق على المنشآت والقواعد أم صار أسبوعًا بعد أسبوع؟

إن ثبتت الأربعة على حال 15 أيلول (سبتمبر) فالحرم آمن في هذه الجولة والملف مفتوح في المضيق. إن فُتح هرمز وهبط الإطلاق فالموجة تتجمد كـ2022 تحت ضغط أعلى. إن ضُرب طريق التصدير في الصميم بعد الخط الأحمر فاضت الجولة عن سقف التصعيد المدار.

الختام

نحمي مكة لأنها بيت الله وأمن إبراهيم وقبلة من يصلّي في أقصى الأرض. هذا لا يُساوَم. ونصدق بعد الحماية: الفاعل لم يُخلق ليلة المسيّرة، ولم يُمحَ ليلة الاعتراض. انتقل إلى كرسي الممر يوم ضاق الممر الآخر. الغيرة بلا هذا الصدق تُنهي المنشور ولا تُنهي الخطر. الصدق بلا الغيرة يُبرّد ما لا يُبرَّد في دين من يتوجّه شطر البيت خمسًا.

الدور رصد المعلن والممارَس: مجال محظور حُمي، ومضيق لم يُقَس بعد بما يستحق. النية تُترك. البلد الحرام يُحفظ. والميزان بعد الحفظ أن لا نُسمّي ما لم يُحسم فتحًا، ولا ما حُمي هزيمة. الله الحافظ للبلد وأهله، والصدق بعد الدعاء عمل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.