ليست المجتمعات العربية والإسلامية وحدّها من يعاني مشكلات في كيفية بناء العلاقة مع الآخر؛ بل إن أوروبا الحديثة -التي أسست تقدمها الحضاري والثقافي على قيم الأنسنة وحقوق الإنسان وعدم التمييز، ونقد العقل الأوروبي ذاته- باتت تشكو أيضاً حراكاً في تركيبتها الهوياتية. يقوم هذا الحراك على العنصرية، واستعداء الآخر المهاجر إليها، والميل نحو الانغلاق، والقطيعة مع الانفتاح الذي أدى إلى وجود حجم ديمغرافي للجاليات المسلمة يُقدر بـ50 مليون نسمة، ونحو 6 ملايين عربي. وطبعاً، هذه القيم الطارئة على بناء الهوية في مواجهة الآخر داخل المجتمعات الأوروبية الراهنة لا تنسحب على الجميع، ولا يمكن تعميمها على الغالبية. فنحن أمام مؤشرات لا نريد تضخيمها هباءً، ولكن من المهم في الوقت ذاته عدم التقليل من دلالاتها؛ كما أننا لسنا أمام مجرد مؤشرات معزولة وضعيفة المعنى إذا ما قمنا بتجميعها، بل إنها مؤشرات صانعة للمعاني والرسائل وللضوء الأحمر التحذيري أيضاً.
وأول هذه المعاني هو الخط البياني التصاعدي لظاهرة تنامي شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة، حيث يمكن توصيف هذا التنامي بالانتصارات التي باتت قيد التحقق في أنحاء عدة في أوروبا؛ سواء في فرنسا عبر التفاعل التراكمي الذي يلقاه خطاب ماري لوبان، أو دلالة ما حصل في إيطاليا؛ إذ إن فوز جورجيا ميلوني -من حزب «إخوة إيطاليا» الممثل لليمين المتطرف- في الانتخابات العامة، وتقلدها منصب رئيسة الوزراء، إنما يمثل حدثاً تاريخياً، من منطلق كونه المرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الذي يقود فيه الحكومة الإيطالية حزب يميني متطرف. أما المؤشر الأكثر خطورة، والذي استدعى تجميع المؤشرات كافة ووضعها تحت مجهر الفحص، وتشبيكها على طريقة تحليل البيانات -ولكن بسياق سياسي هذه المرة وليس اقتصادياً، على غرار الارتباط التقليدي للاقتصاد بتحليل البيانات- فيتمثل في تلك النتائج الموصوفة بالخطورة البالغة في الانتخابات الجهوية في ألمانيا؛ حيث حقق اليمين المتطرف هناك نتائج استثنائية، تعبر عن قفزة كمية ونوعية تتجاوز الثلاثة أضعاف.
أما السؤال الجوهري والمحير هنا: لماذا يعد صعود اليمين المتطرف في ألمانيا بالذات خطيراً، في حين أن الغالب على ملامح المهاجرين في ألمانيا أنهم من الكفاءات، ويختلف ملمحهم عن ملمح المهاجرين في فرنسا وإيطاليا؟ إن صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يُذكِّرنا آلياً بهِتلر، وكيف قاد حزب يميني متطرف البلاد سابقاً إلى حرب عالمية ثانية ثقيلة الخسائر. ولا تفوتنا الإشارة إلى أن اليمين المتطرف ليس مجرد تسمية، بقدر ما يمثل فكراً ومقاربة يقومان على العنصرية، ورفض المهاجرين، والاستكبار العرقي والديني، والانكفاء الهوياتي؛ وهنا يكمن موطن الخطر والعدوانية، لأن اليمين المتطرف هو ثقافة ونظرة إلى الآخر، ومن الخطأ الفادح حضارياً حصره في التفسير الاقتصادي وتجريده من الخلفية الثقافية التي تجد ما تحتاج إليه من روافد تسقيها لتعيد النمو.
صحيح أننا أمام انتصارات غير ساحقة، وأن صعود اليمين المتطرف -رغم تناميه- لم يبلغ الأغلبية بعد، وما زال في منطقة بعيدة عنها، ولكن الأمر يُقاس بطريقة مختلفة؛ أي بطبيعة الخط البياني التصاعدي الواثق. إضافةً إلى ذلك، يشير الواقع الحالي إلى وجود حركة تنسيق قوية ومتساندة بين الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، وهذا يجعل من الممكن الحديث عن جبهة داخل القارة تضم أحزاباً متطرفة، تتبنى أفكاراً عنصرية مناهضة للمهاجرين، وتحمل موقفاً عدائياً خصوصاً ضد الوجود العربي والإسلامي. والأمر لا يقف عند هذا الحد؛ إذ إن ظاهرة الصعود الحالية تمكّن هذه الأحزاب من مغادرة منطقة العزلة السياسية والمشاركة الشكلية إلى منطقة أخرى، تفرض فيها شيئاً فشيئاً خلق تحالفات مع الأحزاب التي تقترب نسبتها في الانتخابات منها أو التي ترى فيها ندِّية باتت على وشك التحقق. وفي هذا السياق، نلاحظ وجود بوادر تقاربٍ وودٍّ لإذابة الجليد بينها وبين الأحزاب اليمينية التقليدية الراهنة.
إننا أمام حراك يستحق الانتباه والمراقبة والاستعداد له، سواء داخل أوروبا نفسها أو بالنسبة إلى الضحايا المحتملين الذين ينتمون في أصولهم إلى المجتمعات العربية والإسلامية. وإذا ما بحثنا في أسباب هذا الصعود، ولم نكتفِ بالاقتناع بسلطة السبب الاقتصادي وما تعانيه أوروبا اليوم من أزمات وبطالة، فإن مؤشرات عدة ترجِّح كفة أن يواصل اليمين المتطرف صعوده وصعود شعبيته؛ باعتبار أن مؤشرات الانفراج الاقتصادي غير متوقعة في المدى القريب على الأقل، وهو السبب المباشر الذي يغذي الكيانات المتطرفة القائمة.
وثمة معطى آخر سيحدد لنا، بشكل أكثر حسماً، مدى جدية مخاطر هذا الصعود على العالم وعلى قيم الأنسنة وحقوق الإنسان؛ ويتمثل في أن عام 2027 سيكون بمنزلة «عام انتخابي خارق» في أوروبا، حيث ستشهد تسع دول في الاتحاد الأوروبي انتخابات وطنية حاسمة برلمانية ورئاسية تشمل أربعاً من كبرى القوى السياسية والاقتصادية في القارة، وهي: فرنسا، وألمانيا، وسلوفينيا، ولاتفيا. والمشكلة الكبرى تكمن في أن اليمين المتطرف في صعود مستمر، وسط حراك أوركسترالي أوروبي منسّق، في حين تعيش القارة العجوز بأكملها حالة من الإنكار الصامت.

