ما قيمة المبادئ والقوانين والمواثيق إذا كانت الدول الكبرى ترفعها في وجه خصومها، ثم تطويها وتضعها في الأدراج عندما يكون المعتدي حليفًا أو شريكًا نافعًا؟
لقد أصبح التناقض بين النظرية والتطبيق واحدًا من أبرز سمات النظام الدولي المعاصر. فالخطابات الرسمية تمتلئ بالحديث عن سيادة الدول، وحقوق الشعوب، ومكافحة الإرهاب، وحماية المدنيين وحرية الملاحة، لكن السلوك الفعلي تحكمه، في كثير من الأحيان، المصالح والتحالفات وموازين القوة.
تدين الدولة الإرهاب حين يضربها أو يصيب حلفاءها، لكنها قد تتغاضى عنه، أو تخفف مسؤولية مرتكبيه، أو توفر لهم الحماية السياسية، إذا كان نشاطهم يضعف خصمًا لها ويخدم مشروعها الإقليمي أو الدولي.
وهنا تقترب بعض السياسات من مفهوم القرصنة، وإن لم تكن قرصنة بحرية بمعناها التقليدي. فإطلاق الصواريخ والمسيّرات على المدن والمنشآت والسفن، وتسليح جماعات تعمل خارج سلطة الدول، وتهديد طرق التجارة والطاقة، كلها صور حديثة من القرصنة السياسية والعسكرية. والقرصان الجديد لا يحمل سيفًا ولا يرفع راية سوداء فوق سفينته، بل قد يرتدي زيًا عسكريًا، ويتلقى السلاح والمال والتكنولوجيا، ثم يظهر باسم "المقاومة" أو "الدفاع عن المظلومين".
ولا تقتصر المسؤولية على الطرف الذي يطلق الصاروخ أو يزرع العبوة. فالدولة التي تسلّح القرصان، وتموّله، وتفتح له الأسواق، وتحميه من العقوبات والمحاسبة، لا تستطيع الادعاء بأنها وسيط محايد. وقد تكون الحماية الدبلوماسية وتعطيل القرارات الدولية أكثر فاعلية من إطلاق الصاروخ نفسه.
إن روسيا تتحدث عن سيادة الدول عندما يناسبها ذلك، وتتحدث الصين عن عدم التدخل في الشؤون الداخلية، لكنهما لا تمارسان دائمًا ضغطًا يتناسب مع نفوذهما لوقف التدخلات الإيرانية وتسليح القوى الخارجة على سلطة الدول.
غير أن هذه الازدواجية ليست حكرًا على روسيا والصين وإيران. فقد مارستها قوى غربية وإقليمية أيضًا، عندما دعمت أنظمة أو جماعات لأنها تخدم مصالحها، ثم تخلت عنها أو حاربتها حين تغيرت الظروف.
وتكشف تجربة تنظيم داعش جانبًا من هذه المأساة. فقد سعت دول عديدة، بالفعل، إلى محاربته وهزيمته، وقدمت من أجل ذلك المال والسلاح والضحايا. وفي المقابل، هناك حكومات ومؤسسات ومنظمات قدمت للتنظيم شبكات تمويل وتهريب وتجنيد، وحدودًا رخوة، وحسابات سياسية وأمنية سمحت للتنظيم بالتمدد والاستفادة من الفوضى.
والقول بأن أجهزة استخبارات حاولت اختراق تنظيمات إرهابية أو توجيه بعض عناصرها أو استثمار جرائمها لخدمة أهداف سياسية، فهو احتمال عرفه تاريخ العمل السري، لكنه يحتاج في كل واقعة إلى دليل مستقل، لا إلى الشائعة والاستنتاج وحدهما.
وقد تلجأ أجهزة سرية إلى عمليات تمويه أو تضليل، أو تحاول إلصاق أعمال بخصومها.
المشكلة الأساسية، إذن، ليست وجود الإرهاب والقراصنة وحدهم، بل وجود دول ترى أن بعض الإرهابيين والقراصنة مفيدون ما داموا يصيبون خصومها. فهي لا تريد القضاء عليهم دائمًا، وإنما احتواءهم أو اختراقهم أو توجيههم أو استثمار ما يفعلونه.
وقد وجدت إيران في روسيا والصين سندًا يخفف عزلتها ويعزز قدرتها على المقاومة والمساومة، بينما وجدتا فيها شريكًا يربك الولايات المتحدة وحلفاءها. وفي المقابل، استخدمت قوى أخرى جماعات وأنظمة ووكلاء لتحقيق أغراض مشابهة. تتبادل الحكومات المنافع، فيما تدفع شعوب العراق واليمن ولبنان وسوريا ودول الجوار ثمن هذه الألعاب.
ليس في ذلك مبدأ أخلاقي، بل حساب بارد للمصالح. فالقرصان، في نظر الدولة الراعية، لا يكون مجرمًا ما دام يهاجم سفن خصومها. ولا يصبح خطرًا يستوجب العقاب إلا عندما يخرج عن الدور المرسوم له، أو ينقلب عليها، أو يهدد مصالحها هي.
وهكذا تتحول الأخلاق إلى خطب للمؤتمرات، بينما تصبح الأسلحة والأموال والعقوبات وحقوق النقض هي السياسة الحقيقية. ويغدو القانون الدولي شبكة لا يقع فيها إلا الضعفاء، أما الأقوياء وحلفاؤهم فيمزقونها متى أرادوا.
إن أخطر ما يهدد العالم ليس وجود القراصنة وحده، بل وجود دول كبرى تقرر أن بعض القراصنة مفيدون لها. وعندما تحمي دولةٌ القرصان لأنها تنتفع من جرائمه، فإنها لا تهدم أمن ضحاياه وحدهم، بل تهدم أيضًا الأساس الأخلاقي الذي تدّعي أن النظام الدولي قائم عليه.
وعندئذ يصبح السؤال المشروع: إذا كانت المبادئ لا تُطبق إلا على الخصوم والضعفاء، فهل هي مبادئ حقًا، أم مجرد أسلحة أخرى في ترسانة الأقوياء؟

