كيف تتواصل دولة عظمى بحجم الولايات المتحدة مع ميليشيا مسلحة تصنفها كمنظمة إرهابية؟
السؤال لا يتعلق بالتواصل وحده، الأهم توقيته وما يحدث حوله. فواشنطن تفتح قناة مع الحوثيين في مسقط، تزامنًا مع تغير خريطة الساحل اليمني بسرعة، وتنتقل الجماعة إلى مواقع أكثر حساسية عند البحر الأحمر وباب المندب.
وربما هنا تبدأ القصة من المخا.
سقوط المدينة الساحلية لم يكن مجرد تطور جديد في الحرب اليمنية. المخا تقع على واحدة من أكثر النقاط حساسية في الساحل الغربي، وقربها من باب المندب يجعل أي تغيير في السيطرة عليها مرتبطًا بأمن ممر بحري تتقاطع عنده طرق التجارة والطاقة.
لكن السؤال الأهم لم يكن عن المدينة وحدها، كان عن الطريقة التي سقطت بها.
كيف حدث هذا التحول بهذه السرعة؟ وهل كان نتيجة انهيار ميداني في منظومة الدفاع والقيادة، أم أن هناك حسابات أخرى لم تظهر تفاصيلها بعد؟
لا توجد معطيات كافية للجزم بما وراء المشهد، ولذلك يبقى السؤال مفتوحًا. غير أن سرعة التحول في منطقة بهذه الحساسية تجعل من الصعب التعامل مع سقوط المخا باعتباره حدثًا عسكريًا منفصلًا.
بعدها جاء التقدم نحو ميون، الجزيرة الواقعة عند مدخل باب المندب، لتصبح الجغرافيا أكثر وضوحًا. الحوثيون لم يعودوا يتحركون داخل مساحة يمنية مغلقة، إنهم باتوا أقرب إلى نقطة تتقاطع فيها مصالح دولية واسعة.
وهنا تدخل إيران إلى المشهد.
العلاقة الوثيقة بين الحوثيين وإيران، وما يرتبط بها من دعم عسكري وتقني وسياسي، تجعل ما يحدث على الساحل اليمني جزءًا من صراع إقليمي أوسع. وفي الطرف الآخر من المنطقة يقف مضيق هرمز، بما يحمله من حساسية بالنسبة إلى الطاقة العالمية.
هرمز وباب المندب ليسا مجرد ممرين جغرافيين، إنهما نقطتا ضغط على حركة الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب.
وفي هذه اللحظة تحديدًا يأتي اجتماع مسقط.
مسؤولون أميركيون التقوا ممثلين عن الحوثيين، بحسب مصادر مطلعة على الاجتماع، في وقت كانت فيه الجماعة قد وسعت سيطرتها على الساحل اليمني ووصلت إلى مواقع استراتيجية عند باب المندب. واشنطن لم تؤكد تفاصيل اللقاء، لكنها أكدت اهتمامها بأمن الملاحة في البحر الأحمر.
الأكثر إثارة للاهتمام ما نُقل عن مضمون الاجتماع: تعهد الحوثيون بعدم استهداف السفن الأميركية والإسرائيلية، مع احتفاظهم بحق استهداف السفن السعودية.
إذا صحت هذه الرواية، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد تفاهم على وقف التصعيد.
لماذا السعودية؟
السؤال هنا: كيف تنظر الولايات المتحدة إلى أمن البحر الأحمر، وهل تتعامل مع المخاطر على الممرات البحرية باعتبارها ملفًا واحدًا، أم وفق تفاهمات منفصلة مع كل طرف؟
السعودية في هذه المعادلة ليست دولة تنتظر من يحمي موقعها.
إنها قوة إقليمية رئيسية، وموقعها الجغرافي والاقتصادي يجعل أمن البحر الأحمر والخليج مرتبطًا مباشرة بمصالحها في الطاقة والتجارة والأمن. وفي الوقت نفسه، فإن هذه المصالح تتقاطع مع مصالح دول كثيرة تعتمد على استقرار طرق الإمداد العالمية.
لهذا لا يمكن اختزال ما يحدث في البحر الأحمر في خلاف سعودي حوثي.
الممرات التي تتحرك فيها ناقلات النفط وسفن الحاويات لا تعرف الحدود السياسية عندما تتعرض للخطر. ارتفاع مستوى التهديد ينعكس على التأمين والشحن والطاقة وسلاسل الإمداد، وقد يدفع الشركات والدول إلى تغيير طرقها وحساباتها.
وهنا تظهر المفارقة.
إذا كان أمن الملاحة هدفًا أميركيًا، فكيف يمكن أن تكون هناك سفن آمنة وأخرى معرضة للاستهداف داخل الممر البحري نفسه؟
وإذا كان الحوثيون قادرين على تحديد من يستهدفون ومن يستثنون، فإن القضية لا تعود مرتبطة بقدرتهم العسكرية وحدها، تصبح مرتبطة بالدور الذي يمكن أن يمنحه أي تفاهم سياسي لهذه القدرة.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام واشنطن:
هل تسعى إلى احتواء الحوثيين، أم إلى تحييد قدرتهم على تهديد الممرات والمصالح الدولية؟
الفرق كبير.
الاحتواء قد يبقي الخطر ضمن حدود معينة، بينما تحييد الخطر يعني منع تحويل الموقع الجغرافي إلى ورقة نفوذ دائمة في مواجهة حركة التجارة والطاقة.
وفي الخلفية، تتسع المنافسة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مع سعي إسرائيل إلى توسيع حضورها الاستراتيجي في هذه المنطقة، بالتزامن مع تنافس إقليمي ودولي على الموانئ والممرات ومواقع النفوذ.
ومع اقتراب الشتاء، تصبح هذه الجغرافيا أكثر حساسية. لا تحتاج أسواق الطاقة إلى إغلاق كامل للممرات حتى تشعر بالضغط، مجرد ارتفاع المخاطر يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين ويعيد حسابات الإمدادات.
من هنا يصبح باب المندب جزءًا من معادلة أوسع تمتد إلى هرمز.
أي اضطراب طويل في أحد الممرين يرفع مستوى المخاطر، أما تزامن الضغوط على الاثنين فيضع الطاقة والتجارة أمام اختبار أكثر تعقيدًا.
وهنا تعود السعودية إلى الصورة لأنها واحدة من القوى الرئيسية التي تتقاطع عندها جغرافيا الخليج والبحر الأحمر، وتتصل مصالحها مباشرة بأمن الطاقة والتجارة والملاحة.
ولهذا فإن حماية الممرات البحرية ليست مسألة سعودية وحدها. إنها مصلحة دولية، وستدفع مصالح الدول الكبرى والدول المستوردة للطاقة إلى البحث عن طرق تحافظ على انسياب التجارة والطاقة، وتمنع الجماعات المسلحة من تحويل الممرات الدولية إلى أوراق تفاوض مفتوحة.
لكن ما حدث في المخا وميون ثم اجتماع مسقط يطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله.
هل نحن أمام محاولة أميركية لاحتواء الخطر الحوثي؟
أم أمام تفاهم مؤقت لإدارة منطقة شديدة الاضطراب، حتى لو بقيت بعض الأطراف داخل دائرة الخطر؟
وإذا كان الحوثيون قد قدموا ضمانات للسفن الأميركية والإسرائيلية، بحسب المصادر التي نقلت تفاصيل الاجتماع، فلماذا بقيت السفن السعودية خارج هذه الضمانات؟
ربما تكون الإجابة مرتبطة بالحرب اليمنية نفسها، وربما بحسابات إقليمية أوسع.
وربما تكون التفاصيل التي لم تُكشف بعد أهم من تلك التي ظهرت.
لهذا تبدو المخا اليوم أكثر من مدينة يمنية سقطت في خضم الحرب.
إنها نقطة تكشف كيف يمكن لتحول عسكري محلي أن يفتح طريقًا إلى سؤال دولي كبير.
من المخا إلى ميون، ومن باب المندب إلى هرمز، تتحرك المصالح في مساحة واحدة.
وفي وسط هذه المعادلة تقف السعودية بقوتها وموقعها ومصالحها.
ويبقى السؤال: لماذا اجتمع الأميركان مع الحوثي، وما الذي جرى خلف الكواليس؟


