تعيش الحكومة الشرعية اليمنية مرحلة دقيقة في مسار الصراع، إذ ما زالت تمثّل الإطار السياسي الوحيد القادر على حمل مشروع الدولة، لكنها تواجه تحديات بنيوية تعيق قدرتها على تحويل هذا الاعتراف الدولي إلى حضور فعلي على الأرض. فغياب الاستراتيجية الموحدة، وتعدّد مراكز القرار داخل مؤسساتها، جعلا تأثيرها أقل مما يُفترض في مواجهة جماعة مسلحة تمتلك مشروعًا واضحًا وتعمل وفقه بلا تردد.
في المقابل، كشفت السيطرة الحوثية عن واقع اجتماعي شديد التعقيد، حيث برزت مجتمعات تتمسّك بانقساماتها القبلية وغير القبلية، وتفضّل الولاءات المحلية على الانضواء في دولة جامعة تحترمها وتحتضنها. هذا التشظّي الاجتماعي كان أحد أهم أسباب الاختراق الحوثي في جنوب غربي اليمن، وأحد العوامل التي أدّت إلى انهيار قوات كان يُفترض أنها "حكومية"، لكنها في الحقيقة كانت تعكس تعدّد الانتماءات أكثر مما تعكس وحدة الدولة.
كما أن تعدّد الولاءات داخل مجلس القيادة الرئاسي شكّل عاملًا إضافيًا في إرباك المشهد، إذ يعمل كل عضو وفق مشروعه الخاص، ما جعل الدول الداعمة للشرعية تواجه صعوبة في التعامل مع قيادة لا تمتلك قرارًا موحدًا، ولا رؤية واضحة لإدارة الصراع أو إعادة بناء مؤسسات الدولة.
باب المندب الممر الذي لا يحتمل الفراغ
يمثّل باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمرّ عبره ما يقارب 10 بالمئة من تجارة العالم وكمية ضخمة من صادرات الطاقة المتجهة نحو أوروبا وآسيا.
هذا الموقع الاستراتيجي يجعل اليمن دولة ذات مسؤولية مباشرة عن أمن البحر الأحمر، ويضع على الشرعية واجبًا مضاعفًا في حماية هذا الممر الحيوي من أي تهديد ميليشياوي أو تدخل خارجي.
إن تمدد الحوثيين نحو مناطق قريبة من باب المندب، أو محاولاتهم التأثير على الملاحة الدولية، يشكّل خطرًا يتجاوز حدود اليمن ليطال أمن المنطقة واستقرار التجارة العالمية. فالممر لا يحتمل أن يكون تحت تأثير جماعة مرتبطة بنظام الملالي، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية وتزايد أهمية البحر الأحمر كممر بديل في سلاسل الإمداد العالمية.
اليمن بين مشروع دولة ومشروع ميليشيا
هذا الواقع المعقّد منح الحوثيين فرصة لتعزيز نفوذهم، ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر استثمار الفراغ السياسي والاجتماعي الذي تركته الدولة. ومع استمرار غياب الاستراتيجية، يظل اليمن مهددًا بالانزلاق أكثر نحو مشروع يتوزع بين كهوف صعدة وامتدادات نظام الملالي في المنطقة، وهو ما يشكّل خطرًا مباشرًا على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
استعادة الدولة ضرورة إقليمية لا خيارًا محليًا
إن إنقاذ اليمن يتطلب من الشرعية إعادة بناء استراتيجية وطنية واضحة، وتوحيد القرار العسكري، وتحييد الانقسامات الداخلية، وإعادة تعريف دور مؤسساتها القيادية بما ينسجم مع حجم التحديات. فبدون ذلك، سيبقى اليمن ساحة مفتوحة للصراع، وستبقى الدولة مجرد إطار نظري لا يمتلك أدوات الفعل، وسيظل باب المندب مهددًا باضطرابات لا يمكن للعالم تحمل تبعاتها.


