: آخر تحديث

لم يعد حزب الله بعبع اللبنانيين

3
3
2

لم تكن جلسة مجلس النواب اللبناني الأخيرة مجرد جلسة لمناقشة أداء الحكومة وتجديد الثقة بها. فقد كشفت، في جانب آخر منها، عن تبدّل لافت في مستوى الخطاب السياسي تجاه حزب الله، بعدما تناول نواب بصورة مباشرة سلاحه ودوره في الحرب وعلاقته بقرار السلم والحرب ومشاركته في الحرب السورية، وهي ملفات ظلّت لسنوات محاطة بحسابات سياسية وأمنية شديدة الحساسية.

على مدى يومين، تحولت قاعة البرلمان إلى مساحة لسجالات حادة حول الحرب وسلاح حزب الله ودور الدولة في الجنوب، وانتهت الجلسة بتجديد الثقة بحكومة نواف سلام بـ68 صوتًا، مقابل 12 صوتًا حجبوا الثقة وامتناع نائبين، فيما انسحب نواب كتلة "الوفاء للمقاومة" قبل التصويت.

لكن الأهم من أرقام الثقة كان ما جرى داخل القاعة نفسها. فقد شهدت الجلسة سجالات مباشرة بين نواب من حزب الله وخصومه حول السلاح والحرب وقرار الدولة، وقال النائب إبراهيم الموسوي، من كتلة حزب الله، في معرض دفاعه عن موقف الحزب: "تسألون ماذا فعلت المقاومة، ونحن نسأل ماذا فعلت الدولة لتسليح الجيش والدفاع عن الأرض". وفي المقابل، قال جبران باسيل إنه يؤيد "حصرية السلاح بالكامل"، معتبرًا أن سلاح الحزب "لم يعد بإمكانه حماية لبنان"، فيما ذهبت مداخلات أخرى إلى تحميل الحزب مسؤولية إدخال لبنان في حروب متتالية.

هذه العبارات، بما تحمله من اختلافات حادة، تكشف شيئًا يتجاوز السجال نفسه: سقف الكلام حول حزب الله ارتفع بصورة واضحة داخل المؤسسة التشريعية.

ولفهم أهمية ذلك، لا بد من التمييز بين القوة والهالة.

القوة يمكن قياسها بالسلاح والتنظيم والقدرة على الحشد والحضور السياسي والاجتماعي. أما الهالة فهي ذلك الشعور الذي يجعل الآخرين يترددون في اختبار حدود هذه القوة أو الدخول معها في مواجهة مباشرة.

وقد تبقى القوة قائمة، فيما تتغير الصورة السياسية المحيطة بها.

وهذا هو التحول الذي تستحق جلسة البرلمان الأخيرة التوقف عنده.

فلبنان عرف طوال عقود علاقة شديدة التعقيد مع حزب الله. وبعد انتهاء الحرب اللبنانية، جرى نزع سلاح معظم الميليشيات، فيما احتفظ الحزب بسلاحه تحت عنوان مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. ومع مرور السنوات، أصبح لاعبًا أساسيًا في الانتخابات والحكومات وصناعة القرار، واتسع دوره الإقليمي، خصوصًا بعد دخوله المباشر إلى الحرب السورية عام 2013.

وبذلك لم يعد الحزب مجرد قوة عسكرية لبنانية، بل أصبح جزءًا من شبكة إقليمية أوسع، فيما تشكلت حوله، في الداخل، حسابات سياسية وأمنية جعلت التعامل معه مختلفًا عن التعامل مع بقية القوى السياسية.

لكن هذه البيئة تغيرت.

فأنصار الحزب ما زالوا يرون أن السلاح مرتبط بمواجهة إسرائيل، وأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لنقاط في الجنوب والخروقات والتهديدات الأمنية تجعل التخلي عنه مسألة لا يمكن فصلها عن قدرة الجيش والدولة على حماية لبنان.

وتشير وزارة الخارجية اللبنانية إلى أن إسرائيل لا تزال تحتل خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية، كما سبق أن قدمت إلى مجلس الأمن شكوى وثقت فيها 2036 خرقًا إسرائيليًا خلال ثلاثة أشهر من عام 2025.

ومن هذا المنظور، يطرح مؤيدو الحزب سؤالًا مشروعًا في النقاش الداخلي: إذا أصبحت حصرية السلاح هدفًا للدولة، فهل تمتلك الدولة والجيش القدرة الكافية على حماية الحدود وردع إسرائيل؟

في المقابل، يطرح خصوم الحزب سؤالًا آخر: هل يمكن أن يبقى قرار الحرب والسلم موزعًا بين الدولة وقوة سياسية وعسكرية منظمة؟ وهل يستطيع لبنان تحمل كلفة حروب لا يكون قرارها صادرًا عن مؤسساته الدستورية وحدها؟

وهنا تدخل المسألة في قلب التركيبة اللبنانية.

فسلاح حزب الله ليس قضية أمنية فقط، بل يرتبط بمخاوف جمهور الحزب من أن يؤدي نزع السلاح بصورة مفاجئة إلى إضعاف بيئته في مواجهة إسرائيل، كما يرتبط بمخاوف خصومه من أن يؤدي استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة إلى إبقاء لبنان في دائرة الانقسام والحروب.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء المزاج الشعبي.

فاستطلاع لمؤسسة "غالوب" أُجري في لبنان في حزيران (يونيو) وتموز (يوليو) 2025 أظهر أن 79 بالمئة من المستطلعين يؤيدون أن يكون الجيش اللبناني الجهة الوحيدة التي تحتفظ بالسلاح، بينما بلغت النسبة 27 بالمئة فقط بين المستطلعين الشيعة، في مقابل 69 بالمئة عارضوا هذا الخيار. وأظهر الاستطلاع في الوقت نفسه ثقة مرتفعة بالجيش بين مختلف المجموعات.

وهذه الأرقام لا تسمح وحدها بالحكم على المزاج اللبناني في عام 2026، لكنها تكشف أن قضية السلاح أصبحت نقاشًا شعبيًا عامًا، مع استمرار انقسام واضح حول طريقة معالجتها.

ثم يأتي الاقتصاد ليجعل السؤال أكثر إلحاحًا.

فقد قال رئيس الحكومة نواف سلام أمام مجلس النواب إن الحربين الأخيرتين كلفتا لبنان أكثر من 20 مليار دولار، وقد تتجاوز الكلفة الإجمالية 27 مليار دولار عند اكتمال احتساب حرب 2026، مشيرًا إلى نحو تسعة آلاف قتيل وأكثر من ثلاثين ألف جريح، وأكثر من مليون نازح في ذروة الحرب الأخيرة، فضلًا عن عشرات آلاف المنازل المدمرة.

هنا لم يعد السؤال عن السلاح مجرد نقاش دستوري أو سياسي. فهناك مواطن فقد منزله، وآخر فقد عمله، وآخر اضطر إلى النزوح، وبلد يحتاج إلى سنوات لإعادة بناء ما دمرته الحرب.

ومن هنا يصبح سؤال "من يقرر الحرب؟" متصلًا مباشرة بسؤال "من يدفع ثمنها؟".

أما إقليميًا، فقد تغيرت البيئة التي تحرك فيها حزب الله خلال العقد الماضي.

فبعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، فقد الحزب طريق الإمداد العسكري الذي كان يمر عبر سوريا. وكان أمينه العام نعيم قاسم قد أقر في 14 كانون الأول (ديسمبر) 2024 بانقطاع هذا الطريق، وهو المسار الذي كان يتيح نقل الأسلحة والمعدات من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

وكانت سوريا بالنسبة إلى الحزب أكثر من ساحة عسكرية، فقد شكلت ممرًا أساسيًا للإمداد، وساحة رئيسية لدوره الإقليمي منذ تدخله في الحرب السورية.

لكن سقوط الأسد غيّر هذه المعادلة.

كما أن إيران، الداعم الإقليمي الأساسي للحزب، باتت تتعامل مع بيئة إقليمية مختلفة، فيما ازدادت الضغوط الأميركية والدولية على الدولة اللبنانية من أجل حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وهنا تبرز النقطة الأكثر أهمية في المرحلة الحالية: المسألة لم تعد مجرد مطالبة سياسية بحصرية السلاح، بل بدأت تدخل في مسار حكومي ومؤسساتي.

فالحكومة اللبنانية كانت قد طلبت من الجيش تنفيذ خطة لحصر السلاح شمال نهر الليطاني، بالتوازي مع تأكيدها ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية واستعدادها لاستئناف المفاوضات برعاية دولية. كما يؤكد نواف سلام أن الدولة اللبنانية وحدها تفاوض باسم لبنان.

وهذا يفتح الباب أمام معركة سياسية مختلفة عن تلك التي عرفها لبنان في السنوات الماضية: هل تستطيع الدولة أن تنقل ملف السلاح من مستوى المواجهة الكلامية إلى مسار مؤسساتي تدريجي، من دون أن يتحول ذلك إلى صدام داخلي؟

هنا تحديدًا يكمن الاختبار.

فالمعادلة الجديدة لا تقوم فقط على مطالبة الحزب بتسليم سلاحه، ولا على رفض الحزب التخلي عنه، بل على قدرة الدولة نفسها على بناء الثقة التي تجعل حصرية السلاح قابلة للحياة.

وهذا يعني تقوية الجيش، وضمان حماية الجنوب، ومواصلة التفاوض من موقع الدولة، ومعالجة المخاوف التي يحملها جمهور الحزب، وفي الوقت نفسه تثبيت مبدأ أن قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يبقى موزعًا بين مؤسسات الدولة وقوة مسلحة خارجها.

ومن هذه الزاوية، تصبح جلسة البرلمان الأخيرة أكثر دلالة.

فما تغير ليس وجود حزب الله، ولا انتهت قدرته السياسية أو الاجتماعية، ولم تُحسم مسألة سلاحه.

الذي تغير هو المجال السياسي الذي يُناقش فيه الحزب.

في مراحل سابقة، كان مجرد الاقتراب من بعض الملفات المرتبطة بالحزب يستدعي حسابات دقيقة، أما اليوم فقد أصبح نواب من اتجاهات مختلفة يناقشون السلاح والحرب والدور الإقليمي للحزب بصورة مباشرة تحت قبة البرلمان، ويرد عليهم نواب الحزب بالطريقة نفسها.

وهذا لا يعني أن الخوف اختفى من المشهد اللبناني، ولا أن كل اللبنانيين باتوا ينظرون إلى الحزب بالطريقة نفسها.

بل يعني أن الخوف السياسي من مجرد تحدي الحزب لم يعد يؤدي الوظيفة نفسها التي كان يؤديها في مراحل سابقة.

ومن هنا يمكن فهم عنوان المقال: لم يعد حزب الله بعبع اللبنانيين.

المقصود ليس أن الحزب أصبح بلا قوة، ولا أن خصومه حسموا المواجهة معه، بل أن صورته بوصفه قوة يستحيل الاقتراب منها سياسيًا بدأت تتغير.

لقد انتقل النقاش، ولو تدريجيًا، من سؤال "هل يمكن انتقاد حزب الله؟" إلى سؤال أكثر تعقيدًا: "كيف يمكن تنظيم علاقة سلاحه بالدولة، ومن يملك قرار الحرب والسلم؟".

وهذا انتقال مهم في الحياة السياسية اللبنانية.

فالخلاف مع حزب الله لم يعد بالضرورة اختبارًا لقدرة الخصم على تحديه، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع حول الدولة نفسها: حدود سلطتها، مسؤوليتها عن الأمن، قدرتها على حماية مواطنيها، وعلاقتها بالقوى المسلحة وبالخارج.

لكن الطريق من النقاش إلى الحل ليس قصيرًا.

فالحزب يمتلك قاعدة شعبية ورؤية مختلفة لمفهوم الردع، وخصومه يتمسكون بمبدأ حصرية السلاح، والدولة مطالبة في الوقت نفسه بالتعامل مع واقع إسرائيلي لم ينته، ومع اقتصاد منهك، ومع بيئة إقليمية متحركة.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد النواب الذين يرفعون أصواتهم ضد الحزب، ولا في عدد المرات التي يرد فيها نوابه عليهم.

الاختبار سيكون في قدرة الدولة على تحويل ارتفاع سقف الكلام إلى مسار سياسي ومؤسساتي قابل للتنفيذ.

فإذا نجحت الدولة في تعزيز الجيش، وحماية الجنوب، ومواصلة التفاوض، وطمأنة مختلف المكونات اللبنانية، يمكن أن يتحول النقاش حول السلاح من مصدر دائم للانقسام إلى جزء من عملية إعادة بناء الدولة.

أما إذا بقي السجال أعلى من قدرة المؤسسات على الفعل، فقد تبقى المعادلة معلقة بين سلاح خارج الدولة ودولة تطالب بحصريته.

وهنا تحديدًا لا تكمن المسألة في سؤال: من يخاف من حزب الله ومن لا يخاف؟

بل في سؤال أعمق:

هل يستطيع لبنان أن يجعل الخلاف السياسي، مهما كان حادًا، يُدار داخل مؤسسات الدولة، وأن يصبح قرار الحرب والسلم موضوعًا وطنيًا عامًا لا قرارًا منفردًا لأي قوة؟

هناك، تحديدًا، يبدأ الاختبار الحقيقي للدولة اللبنانية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.