عبد الله سليمان الطليان
«ليس أعظم ما يسرقه المحتال من ضحيته المال، وإنما يسرق أولًا حكمه السليم، فإذا تعطلت البصيرة، أصبح المال آخر ما يخسره الإنسان».
منذ أن رفع قابيل يده على أخيه هابيل، أدركت الإنسانية أن الصراع بين الخير والشر ليس حادثة عابرة في التاريخ، بل هو جزء من طبيعة الحياة الإنسانية. الإنسان خُلق مزودًا بالعقل الذي يهديه، وبالنفس التي قد تدفعه إلى الهوى، وبالضمير الذي يردعه، وترك الله له حرية الاختيار، ليكون مسؤولًا عن أفعاله.
ولذلك لم يكن النصب والاحتيال ظاهرة مستحدثة، وإنما هو وجه من وجوه هذا الصراع القديم، غير أنه في عصرنا لبس ثيابًا أكثر أناقة، واستخدم وسائل أكثر تطورًا، حتى أصبح المحتال يدخل البيوت من أبواب التقنية، ويستولي على الأموال بضغطة زر، ويبتسم لضحاياه وهم يظنون أنهم أمام شخص يستحق الثقة.
يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يخدع الإنسان أخاه الإنسان؟
لأن الطمع إذا تحرر من الضمير، تحوّل العقل من أداة لبناء الحضارة إلى وسيلة لاستغلال الآخرين. وهنا تكمن المأساة؛ فالمحتال لا تنقصه القدرة العقلية، وإنما تنقصه الأخلاق. ولذلك فإن وصفه بالذكاء فيه ظلم للذكاء نفسه.
لقد اعتاد الناس أن يصفوا كل من استطاع أن يلتف على الأنظمة أو يخدع الآخرين بأنه «ذكي»، وكأن الذكاء أصبح مرادفًا للمكر، مع أن الذكاء الحقيقي لا يُقاس بقدرة الإنسان على الإيقاع بغيره، وإنما بقدرته على تحقيق مصالحه من غير ظلم، وبناء نجاحه من غير خيانة.
ولهذا قال الله تعالى: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، [فاطر: 43]. وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)، [الأنفال: 58]. وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «من غشّنا فليس منا».
إنها ليست توجيهات أخلاقية فحسب، بل قواعد لحماية المجتمع؛ لأن المجتمع الذي يُشرعن الغش باسم الذكاء، يهدم الثقة التي تقوم عليها المعاملات والعلاقات والاقتصاد.
ومن المؤسف أن بعض النوادر التي أوردها الإمام (ابن الجوزي) في كتاب «الأذكياء» قد فُهمت عند بعض القراء على أنها تمجيد للدهاء، مع أن جانبًا منها لا يعكس ذكاءً محمودًا، بقدر ما يصور قدرة على استغلال غفلة الآخرين. فالذكاء الذي يقوم على الخداع ليس فضيلة، وإنما هو عقل انفصل عن الضمير.
وقد عبّر الفيلسوف (سقراط) عن هذا المعنى حين قال: «ليست الحكمة أن تعرف كيف تخدع الناس، بل أن تعرف كيف تعيش حياة فاضلة». وقال كونفوشيوس: «الشريف يفكر في العدالة، أما الوضيع فيفكر في المنفعة».
إن الأخلاق هي التي تمنح الذكاء قيمته، وإلا أصبح العقل سلاحًا في يد صاحبه، يبرع في الإفساد أكثر مما يبرع في الإصلاح.
حين يلبس الباطل ثوب الحقيقة
المحتال لا يبدأ غالبًا بكذبة مكشوفة، لأن الكذب الصريح يسقط عند أول اختبار، وإنما يبدأ بحقيقة صغيرة، ثم يبني فوقها بناءً من الأكاذيب حتى تبدو الكذبة وكأنها حقيقة. ولهذا جاء التحذير القرآني البليغ: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 42].
فالخداع لا يصنع الوهم من العدم، بل يخلط شيئًا من الصدق بكثير من الزيف، حتى يختلط الأمر على الناس.
إن المحتال لا يجبر ضحيته على السقوط، بل يجعله يسير إلى الفخ مطمئنًا. يعرف اسمه وبعض معلوماته فيظن أنه شخص موثوق، ويعرض صورًا حقيقية لسلعة فيطمئن قلبه، أو يتحدث بلهجة الواثق فيغلب حسن الظن على التثبت. وما تلك إلا خيوط لفخ أُحكمت حبكته بعناية.
وقد يصنع شعورًا زائفًا بالإلحاح، فيقول: «الفرصة الأخيرة»، أو «العرض سينتهي بعد ساعة»، أو «لا تخبر أحدًا حتى لا تضيع عليك الصفقة». فهو يعلم أن الإنسان إذا ضاق عليه الوقت، اتسع مجال الخطأ، وإذا استولت العاطفة على القرار، تراجع سلطان العقل. وقد يتقمص شخصية الموظف الرسمي، أو رجل الأعمال، أو صاحب العمل الخيري، أو حتى الصديق، لأن الثقة بالمظهر كثيرًا ما تسبق التحقق من الحقيقة.إن المحتال لا يقرأ الأنظمة بقدر ما يقرأ النفوس. فهو يعرف أن الإنسان يطمئن إلى من يخاطب رغباته، ويخشى ضياع الفرص، ويتأثر بمن يشبهه أو بمن يتحدث بثقة. ولذلك فإن الخداع يبدأ من العاطفة قبل أن يصل إلى العقل.
وقد قال الفيلسوف الفرنسي (بليز باسكال): «للقلب أسباب لا يعرفها العقل».
والمحتال يحاول دائمًا أن ينفذ من تلك الأسباب، لأن العقل الهادئ، الذي يمنح نفسه فرصة للتثبت، هو أصعب العقول خداعًا.
ولهذا كان العلاج الرباني واضحًا وحاسمًا، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، [الحجرات: 6]. فالقرآن لا يدعو إلى سوء الظن بالناس، وإنما يؤسس لثقافة (التثبت)؛ وهي ثقافة تحمي الإنسان من الاندفاع دون أن تفسد عليه حسن الظن.
ويتداول الناس عبارة: (القانون لا يحمي المغفلين.) وهي عبارة شائعة، لكنها ليست حقيقة مطلقة. فالقانون وُجد لحماية الحقوق وردع المحتالين، لكنه في الوقت نفسه يتوقع من الإنسان أن يبذل قدرًا معقولًا من العناية، فلا يوقع عقدًا دون قراءة، ولا يحول مالًا دون تحقق، ولا يمنح ثقته لكل من أحسن الحديث.
وهنا ينبغي التفريق بين (الجهل) و(قلة الخبرة). فقد يكون الإنسان طبيبًا، أو مهندسًا، أو قاضيًا، أو أستاذًا جامعيًا، ثم يقع ضحية احتيال إلكتروني؛ لأنه يجهل تفاصيل هذا المجال، لا لأنه جاهل. فالمعارف اليوم متشعبة، ولا أحد يحيط بها جميعًا.
ولهذا فإن السؤال، والاستشارة، والتثبت، ليست علامات ضعف، وإنما مظاهر نضج ومسؤولية.
وقد لخّص الخليفة الراشد (عمر بن الخطاب) -رضي الله عنه- هذه الفلسفة بكلمات قليلة، فقال: (لستُ بالخِبِّ، ولا الخِبُّ يخدعني).
إنها ليست دعوة إلى المكر، ولا إلى السذاجة، وإنما إلى النباهة؛ أن يكون الإنسان نقيَّ القلب، يقظَ العقل، حسنَ الظن، لكنه لا يعطل بصيرته.
إن المجتمعات لا تنهار حين يكثر فيها المحتالون فحسب، وإنما حين تبدأ بالإعجاب بهم، وتصفهم بالأذكياء، وتُضفي على الخداع مسحة من البطولة. فالحضارات لا تُبنى بالمكر، ولا تستقيم بالخيانة، وإنما تقوم على الثقة، والثقة لا تقوم إلا على الصدق والأمانة والعدل.
في النهاية، فإن النباهة ليست أن تشك في كل الناس، ولا أن تغلق أبواب الثقة، وإنما أن تمنح الثقة بعقل، وأن تحسن الظن ببصيرة، وأن تدرك أن الخير لا يتعارض مع الحذر، كما أن الحذر لا يعني إساءة الظن.
فكن نبيهًا... لأن المحتال لا ينتصر بقوة عقله، وإنما ينتصر عندما يغيب وعي ضحيته. وإذا كان المال يمكن أن يُعوَّض، فإن الثقة إذا انكسرت احتاجت إلى زمن طويل لتعود. وأعظم وسائل الحماية ليست الأقفال، ولا كلمات المرور، بل عقلٌ يقظ، وضميرٌ حي، وبصيرةٌ لا تنخدع بالمظاهر، ولا تُخدع ببريق الوعود.

