"إللي يتغطّى بأميركا عريان"، عبارة تُنسب إلى الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، الذي نقل بوصلة سياسة بلاده من موسكو إلى واشنطن، إيمانًا منه بأن الولايات المتحدة تملك معظم أوراق الحل في المنطقة. وسواء ثبتت نسبة العبارة إليه أم لم تثبت، فإنها تختصر درسًا يتجاوز تجربته وظروفها: العلاقة القوية بدولة عظمى تمنحك فرصة، أما حصر خياراتك فيها فقد يُضعف قدرتك على حماية مصالحك عندما تختلف الحسابات.
أستعيد هذا الدرس وأنا أتابع التطورات الأخيرة في اليمن. فقد أفادت رويترز بأن مسؤولين أميركيين التقوا ممثلين للحوثيين في مسقط. والتفاوض، في ذاته، ليس موضع اعتراضي، فالدول تتفاوض حتى مع خصومها. لكن السؤال الذي يعنينا هو: هل يمكن أن تصل واشنطن إلى تفاهم يحمي مصالحها المباشرة في البحر الأحمر، بينما تبقى المخاوف الأمنية السعودية قائمة؟
ما يدعو إلى طرح السؤال هو كلام الرئيس دونالد ترامب نفسه. فقد قال، في 12 أيلول (سبتمبر)، إن الحوثيين لا يريدون انخراط الولايات المتحدة في المواجهة، وإنهم يسمحون بمرور معظم السفن، باستثناء سفن دولة واحدة لم يسمّها، مضيفًا أنه سيتولى معالجة الأمر. لا يكفي هذا التصريح وحده للجزم بما ستنتهي إليه السياسة الأميركية، لكنه يكشف زاوية نظر تركز على حدود الانخراط الأميركي وحركة السفن، وهي زاوية قد تختلف عن نظرة المملكة إلى أمنها وحدودها وممراتها البحرية. رويترز، 12 أيلول (سبتمبر) 2026.
وقد رأينا مثالًا عمليًا لهذا التفاوت في أيار (مايو) 2025، حين أعلنت الولايات المتحدة وقف ضرباتها للحوثيين عقب تفاهم توسطت فيه سلطنة عُمان. تصرفت واشنطن وفق ما رأته مصلحة لها، وهذا متوقع من أي دولة. ومن حقنا، في المقابل، أن نقرأ التجربة كما هي: مصالح الحلفاء قد تلتقي، لكنها لا تتطابق بالضرورة عندما يحين وقت القرار.
ولم يبدأ موقفي من سياسة ترامب مع أحداث هذا الأسبوع. فمنذ ترشحه لولايته الأولى، كتبتُ مقالات أتابع فيها تصريحاته وطريقته في التعامل مع الحلفاء. ثم أصدرتُ في تشرين الأول (أكتوبر) 2024 كتابي "الردحيولوجي: سياسة ترامب"، قبل أن يتسلم رئاسته الثانية، وسجلتُ فيه حكمي على أسلوبه السياسي وتقلب مواقفه. وقد وصفته، بعبارة قاسية ومقصودة، بأنه رئيس "مهرج" لا أرى أن تصريحاته وحدها تصلح أساسًا لبناء ثقة استراتيجية.
وفي عام 2019، حين تحدث ترامب عن حماية السعودية بلغة الكلفة والمال، كتبتُ واصفًا إياه بأنه "رجل بلا مبادئ ولا احترام لنفسه ولا لحلفائه"، وقلتُ: "مع مثل هذا الحليف يصبح التحالف مع العدو أكثر أمنًا". أستعيد عبارتي اليوم بوصفها رأيًا عبّرتُ عنه في حينه، وتنبيهًا إلى خطورة أن يُختزل التحالف، في نظر أحد طرفيه، إلى فاتورة تُدفع مقابل الحماية.
وعدتُ إلى الفكرة نفسها في تغريدة بتاريخ 25 آب (أغسطس) 2025، وأنا أتابع سلوك ترامب التفاوضي من هلسنكي إلى ألاسكا، ومن أوكرانيا إلى فلسطين. كتبتُ يومها أن "الأخلاق في السياسة" قد تكون الاستثناء لا القاعدة، وأن السياسي حين يضع مصلحته فوق الجميع "لا يتردّد في التضحية بالغالي والرخيص" لتحقيق أهدافه. وأحداث اليوم تعيد طرح السؤال الذي لازم كتاباتي عنه: ماذا يفعل الحليف عندما يرى أن مصلحته العاجلة تقتضي اتفاقًا لا يبدد مخاوفك أنت؟
ومن هنا أيضًا تأتي دعوتي الأقدم إلى تنويع علاقات المملكة. ففي مقال "الشراكة مع الشرق" المنشور في الحياة يوم 18 نيسان (أبريل) 2006، ثم مقال "الاتجاه شرقًا" المنشور في المدينة يوم 18 شباط (فبراير) 2014، تناولتُ أهمية الانفتاح السعودي على روسيا والقوى الآسيوية الصاعدة، ورأيتُ فيه اتساعًا واعيًا لخيارات المملكة الاقتصادية والدبلوماسية. كانت الفكرة أن تمتلك المملكة أكثر من مسار تخدم به مصالحها، وألّا تصبح رهينة قرار حليف واحد.
ولهذه الفكرة تطبيقات ملموسة: أن تواصل المملكة تعاونها الدفاعي مع الولايات المتحدة، وأن توسع شراكاتها الاقتصادية والتقنية مع دول آسيا، وأن تنسق في شؤون الطاقة مع المنتجين الآخرين، وأن تحتفظ بمساراتها الدبلوماسية الخاصة لحماية أمنها الإقليمي. كل مسار إضافي يمنح القرار السعودي مساحة أوسع عندما تختلف حسابات الشركاء.
ولا تعني ملاحظاتي على سياسة ترامب التقليل من أهمية العلاقات السعودية الأميركية. فقد أعلنت واشنطن هذا الأسبوع موافقتها على بيع محتمل لمقاتلات متقدمة للمملكة، في خطوة تؤكد استمرار المصالح الدفاعية الكبيرة بين البلدين، مع بقاء الصفقة خاضعة للإجراءات اللازمة لإتمامها. وهذه المصالح لا تمنع المملكة من بناء علاقات وثيقة مع دول أخرى حيث تقتضي مصالحها.
لقد قلتُ منذ عشرين عامًا إن الشراكة مع الشرق توسّع خياراتنا. وحذّرتُ منذ ترشح ترامب الأول من تقلب سياساته، ثم وثّقتُ قراءتي لها قبل عودته إلى الرئاسة. واليوم أؤكد الفكرة ذاتها: نحافظ على شراكتنا مع أميركا، لكننا لا نترك أمننا ومستقبلنا معلقين بقرارها وحدها.
وقد لخّصتُ هذا النهج من قبل بقولي: "أن نبني علاقاتنا مع الولايات المتحدة وكأن ليس هناك دول أخرى غيرها، وأن نبني علاقاتنا مع العالم، بدوله وشعوبه، وكأن ليس هناك واشنطن، فمصالحنا لها الأولوية في كل الأحوال".
تلك ليست مفارقة، إنها قدرة الدولة على أن تعطي كل علاقة حقها، وأن تحتفظ، في الوقت نفسه، بحرية قرارها.

