: آخر تحديث

اقتصادنا قبل النفط

4
3
3

شدّ انتباهي قبل أيام خبر عن اختتام هيئة التراث موسمًا جديدًا من أعمال التنقيب في موقع المعمَلة الأثري بمنطقة الباحة.

كان أبرز ما في الخبر اكتشاف مسجد يعود إلى القرن الأول الهجري، تحيط به غرف ذات استخدامات اجتماعية وتجارية، إلى جانب لقى تكشف جوانب من الحياة اليومية في الموقع. لكن ما استوقفني اقتصاديًا كان شيئًا آخر: الموقع شهد نشاطًا في استخراج خامات معدنية، من بينها الذهب والفضة والنحاس.

قرأت الخبر كاكتشاف أثري، ثم وجدت نفسي أفكر فيه بطريقة مختلفة: إذا كانت هذه الأرض تخبئ تحتها آثار تعدين وأسواق وطرق وقوافل وموانئ، فكم نعرف فعلًا عن اقتصادها قبل النفط؟

نعرف جيدًا كيف غيّر النفط المملكة ومكانتها في الاقتصاد العالمي. لكن النفط، على عظمة أثره، لم يكن بداية النشاط الاقتصادي على هذه الأرض.

وكلما بحثت عمّا كان قبله، اتسعت أمامي الخريطة.

في جنوب المملكة، تقع حِمى في نجران على أحد طرق القوافل القديمة في شبه الجزيرة. وتصفها اليونسكو بأنها تضم أقدم محطة معروفة لتحصيل الرسوم على طريق صحراوي مهم، فيما يعود استخدام آبارها إلى ثلاثة آلاف عام على الأقل.

توقفت عند فكرة "تحصيل الرسوم"؛ لأنها تقول الكثير. فالطريق لم يكن مجرد مسار تعبره القوافل، بل حركة بشر وبضائع تحتاج إلى الماء والتوقف والخدمات، ومن هذه الحركة ينشأ النشاط الاقتصادي.

ومن الجنوب تقودنا الخريطة إلى قرية الفاو. وتوثق اليونسكو في نطاقها نحو 12 ألف بقايا أثرية، بينما تكشف المدينة القديمة عن منطقة تجارية ومساكن ومنشآت مرتبطة بالقوافل وواحة ونظام لإدارة المياه. وجعلها موقعها محطة على طرق تصل جنوب الجزيرة بوسطها وشرقها، مع امتدادات نحو البحر الأحمر والهلال الخصيب، والخليج، وبلاد الرافدين، وفارس.

أي أن قلب الجزيرة لم يكن دائمًا فراغًا بين اقتصادات الآخرين؛ ففي مراحل تاريخية مختلفة كانت فيه مدن وواحات تعيش من الماء والزراعة والتجارة ومرور القوافل.

ثم نصل إلى الحجاز، فتحضر آية:

«لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ».

خلف رحلة الشتاء والصيف صورة لمجتمع عرف السفر، والتجارة، والموسم، والطريق. وفي سوق عكاظ، الذي نربطه غالبًا بالشعر والخطابة، كانت تصل بضائع من هجر والعراق والشام وفارس واليمن والطائف والبادية؛ من الجلود والمنسوجات إلى الطيب، والحرير، والماشية، وغيرها.

فالسوق لم يكن مكانًا للبيع والشراء فقط؛ كان ملتقى تتحرك فيه السلعة والمعلومة والعلاقات معًا.

وإذا تابعنا شمالًا، نجد العلا والحِجر وتيماء ضمن عالم الواحات والقوافل الذي ربط أجزاء من الجزيرة بمناطق أبعد. وهنا تظهر أهمية الماء اقتصاديًا: حيث يوجد الماء يمكن للإنسان أن يستقر، وللزراعة أن تقوم، وللقافلة أن تتوقف، وللسوق أن ينشأ.

وعندما نعبر إلى شرق المملكة تتغير الجغرافيا، فيتغير الاقتصاد معها.

في الأحساء توثق اليونسكو تاريخًا طويلًا للاستيطان والزراعة، ونظامًا من العيون والآبار والقنوات والبساتين، وتضم الواحة اليوم أكثر من 2.5 مليون نخلة. وعلى الساحل الشرقي ظهر اقتصاد البحر؛ الغوص واللؤلؤ والسفن والتجارة عبر الخليج، وكانت دارين وتاروت جزءًا من حركة بضائع وأشخاص بين ساحل الجزيرة وموانئ أبعد.

وعلى الساحل الآخر كانت هناك قصة مختلفة.

فمنذ القرن السابع الميلادي ترسخت جدة ميناءً رئيسًا على طرق تجارة المحيط الهندي، تمر عبره البضائع إلى مكة، وفي الوقت نفسه بوابة للحجاج القادمين بحرًا. وتوضح اليونسكو أن التجارة والحج معًا أسهما في ازدهار المدينة، وأن بعض الحجاج كانوا يجلبون بضائع من آسيا وأفريقيا ويبيعونها في جدة.

وهذا جعلني أنظر حتى إلى اقتصاد الحج بطريقة مختلفة. فقبل الفنادق والطائرات ووسائل النقل الحديثة بقرون، كانت حركة الحجاج تحرك معها السكن والطعام والنقل والأسواق والتجارة، وتحمل إلى هذه الأرض البشر والسلع والثقافات.

وفي قلب الجزيرة نجد فصلًا أقرب إلينا زمنًا في العقيلات، تجار نجد والقصيم الذين امتدت رحلاتهم التجارية إلى العراق، والشام، ومصر، وغيرها. تغيرت الأزمنة والسلع والطرق، لكن الفكرة بقيت: الإنسان يبحث عن السوق، يحمل ما يستطيع بيعه، ويعود بما تحتاج إليه مجتمعاته.

وعندما جمعت هذه الصور، بدأت أنظر إلى خريطة المملكة بطريقة مختلفة.

في مكان صنع الماء واحة وزراعة، وفي آخر صنع البحر ميناءً وتجارة، وحيث وجدت المعادن ظهر التعدين، وعلى الطريق قامت المحطة والسوق، وحول الحج تحرك الناس والسلع والخدمات.

وبالطبع، لم تزدهر كل هذه الأنشطة في زمن واحد، ولم تكن جزءًا من كيان سياسي واحد؛ فنحن نعبر آلاف السنين من تاريخ الأرض التي تقوم عليها المملكة العربية السعودية اليوم.

لكن هناك خيطًا واحدًا يجمع الكثير منها: الجغرافيا كانت تصنع الاقتصاد.

ثم جاء النفط، فغيّر حجم الاقتصاد وسرعته ومكانة المملكة في العالم بصورة غير مسبوقة، حتى أصبح طبيعيًا أن نبدأ منه عندما نحكي قصتنا الاقتصادية.

وربما لهذا شدني خبر صغير عن موقع أثري في الباحة. لأنه ذكّرني بأن تحت قصة الاقتصاد التي نعرفها اليوم قصة أطول بكثير.

قبل البئر كان هناك المنجم، وقبل ناقلة النفط كانت هناك السفينة، وقبل الشاحنة كانت القافلة، وقبل المراكز التجارية الحديثة كانت هناك أسواق تصل إليها سلع من جهات بعيدة.

وربما لا نحتاج دائمًا إلى أن ننظر إلى المستقبل كي نكتشف شيئًا جديدًا عن اقتصاد بلادنا.

أحيانًا يكفي أن ننظر تحت أقدامنا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد